متابعات - شهد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة توسعًا متواصلًا منذ عام 1967، رغم الضغوط الدولية، لكن وتيرته تسارعت بصورة ملحوظة منذ عودة بنيامين نتنياهو إلى السلطة عام 2022، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة الثلاثاء 27 أكتوبر/تشرين الأول.
ويُظهر تحليل أجرته وكالة فرانس برس، استنادًا إلى بيانات منظمة «السلام الآن» الإسرائيلية المناهضة للاستيطان، ومجموعة الأزمات الدولية، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، أن قرابة نصف البؤر الاستيطانية الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية أُنشئت منذ عام 2023.
وباحتساب القدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل وضمّتها، تحصي منظمة «السلام الآن» أكثر من 550 موقعًا استيطانيًا، بينها نحو 150 مستوطنة أُقيمت بموافقة السلطات الإسرائيلية، فيما كانت المواقع الأخرى عند تأسيسها بؤرًا استيطانية عشوائية.
ووفق مجموعة الأزمات الدولية، ارتفع عدد السكان الإسرائيليين في الضفة الغربية بنحو 50% منذ عام 2012، مقابل زيادة بلغت 30% في عدد الفلسطينيين. ويعيش أكثر من 3 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية إلى جانب نحو 500 ألف إسرائيلي، وسط تصاعد أعمال العنف مع اقتراب موعد الانتخابات.
وأمرت الحكومة الإسرائيلية بفرض «حظر دخول وخروج» إلى الأراضي الفلسطينية يوم الانتخابات، عقب مقتل جنديين إسرائيليين في هجوم نفذه مسلحان فلسطينيان يوم الجمعة.
البؤر الاستيطانية تقود موجة التوسع
منذ أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي أشعلت الحرب في قطاع غزة، تجلّى توسع الاستيطان في الضفة الغربية في زيادة إنشاء البؤر الاستيطانية، ولا سيما المزارع، التي غالبًا ما تتكوّن من مقطورات أو منشآت مؤقتة تُقام من دون تراخيص إسرائيلية.
ويواصل مستوطنون إنشاء هذه البؤر وسط اعتقاد بأن السلطات الإسرائيلية ستضفي الشرعية عليها في نهاية المطاف، في حين تراجعت وتيرة إنشاء المستوطنات الجديدة وفق النمط التقليدي مقارنة بالتوسع عبر البؤر.
وبحسب منظمة «السلام الآن»، تجاوز عدد المزارع والبؤر الاستيطانية الأخرى التي أُنشئت في الضفة الغربية منذ بداية العام الحالي الرقم القياسي المسجل العام الماضي، والبالغ نحو 90 بؤرة، وهو ما يعادل قرابة ثلاثة أضعاف العدد المسجل في عام 2023.
وبدأت ظاهرة البؤر الاستيطانية عام 1996، بالتزامن مع وصول نتنياهو، زعيم حزب الليكود، إلى السلطة للمرة الأولى. أما المزارع الاستيطانية، فبدأ إنشاؤها عام 2012، خلال ولايته الثانية، قبل أن تتحول إلى محرك رئيسي للتوسع الإسرائيلي في المنطقة.
ومثّلت المزارع أكثر من ثلثي إجمالي التوسع الاستيطاني منذ عام 2023، وفق التحليل. وتتيح هذه المزارع للمستوطنين بسط السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي بأعداد محدودة، وتعتمد إلى حد كبير على تربية المواشي، وتتركز في مناطق واسعة شرق الضفة الغربية، على امتداد نهر الأردن.
ارتفاع تصاريح البناء وإعادة افتتاح مستوطنات أُخليت
بالتوازي مع توسع البؤر الاستيطانية، ارتفع عدد تصاريح البناء التي أصدرتها السلطات الإسرائيلية منذ عودة نتنياهو إلى السلطة، خصوصًا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ووفق مجموعة الأزمات الدولية، تجاوز عدد تصاريح البناء الاستيطاني 23 ألفًا خلال عام 2025، أي أكثر من ثلاثة أضعاف العدد المسجل في عام 2012.
وشهد العام الحالي، الذي تُجرى فيه الانتخابات الإسرائيلية، إعادة افتتاح رسمية للمستوطنات الأربع الواقعة شمال الضفة الغربية، بدفع من الحكومة الإسرائيلية، بعد إخلائها عام 2005 ضمن خطة «فك الارتباط» أحادية الجانب التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون، وشملت أيضًا قطاع غزة.
وفي ملف آخر، قررت المدعية العامة الإسرائيلية، أواخر الشهر الماضي، تأجيل الموعد النهائي لتقديم عروض البناء الخاصة بمشروع «إي وان» الاستيطاني المثير للجدل إلى ما بعد الانتخابات.
وكان من المقرر أن تنتهي فترة تقديم العروض لبناء أكثر من 1200 وحدة سكنية استيطانية ضمن المشروع قبل يوم الانتخابات، في المنطقة الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية.
وحذرت الأمم المتحدة وعدد من الدول، بينها فرنسا وبريطانيا، من المشروع، الذي من شأن تنفيذه أن يعزل القدس الشرقية، التي يشكل الفلسطينيون غالبية سكانها، عن الضفة الغربية، ويزيد من تقويض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقبلًا.
موجات استيطانية متعاقبة منذ عام 1967
منذ احتلال الضفة الغربية خلال حرب يونيو/حزيران 1967، استمر الاستيطان في ظل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، سواء كانت من اليمين أو اليسار.
وكانت مستوطنة كفار عتصيون، الواقعة جنوب القدس، أول مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية تسمح بها حكومة حزب العمل في سبتمبر/أيلول 1967.
وشهدت مطلع ثمانينيات القرن الماضي موجة استيطانية كبيرة في ظل حكومة اليمين برئاسة مناحيم بيغن، الذي سمح بإنشاء عدد من المستوطنات.
وفي مراحل لاحقة، تكثف إنشاء البؤر الاستيطانية غير القانونية بين عامي 1998 و2002، ثم خلال الفترة من 2019 إلى 2021، وإن بوتيرة أقل بكثير من تلك التي شهدتها السنوات الأربع الأخيرة.
ويشير التحليل إلى أن عدد البؤر الاستيطانية التي أُنشئت خلال الفترة الممتدة من 2023 إلى 2026 بلغ مرة ونصف مرة عدد البؤر التي أُقيمت خلال الموجات الثلاث السابقة مجتمعة، ما يعكس حجم التوسع الذي شهدته الضفة الغربية في السنوات الأخيرة.







