نيويورك - حذّرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، فرانشيسكا ألبانيزي، من أن استهداف الصحفيين الفلسطينيين والتضييق على وسائل الإعلام، إلى جانب حملات التضليل والتحريض وإنكار الانتهاكات، يهدد قدرة الصحافة على توثيق ما يجري في الأراضي الفلسطينية، ويقوض فرص المساءلة القانونية مستقبلاً.
وجاءت هذه التحذيرات في تقريرها المعنون «الحقيقة تحت الأنقاض: وسائل الإعلام في زمن الإبادة الجماعية»، الذي عُمّم على الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 يوليو/تموز 2026، ضمن البند المتعلق بتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها والتقارير المقدمة من المقررين والممثلين الخاصين.
ويعرض التقرير ما تصفه المقررة الخاصة بنمط متكامل من الممارسات التي تستهدف الصحفيين الفلسطينيين والبنية الإعلامية، وتتداخل فيه القيود الميدانية والملاحقات والتهديدات مع خطاب الكراهية والتحريض، فضلاً عن روايات إعلامية تقول إنها تسهم في تبرير الانتهاكات أو حجبها عن الرأي العام.
«إعادة إعلامية».. ثلاثة مسارات لتقويض الحقيقة
يقدّم التقرير مفهوم «الإبادة الإعلامية» لوصف ما يعتبره تدميراً متزامناً لقدرة وسائل الإعلام الفلسطينية على العمل ونقل الوقائع وحفظ الأدلة. ووفقاً لألبانيزي، لا يقتصر الأمر على استهداف الصحفيين ومؤسساتهم، بل يمتد إلى تعطيل الشروط التي تسمح بتوثيق الانتهاكات والتحقق منها ومناقشتها علناً.
ويحدد التقرير ثلاثة مسارات مترابطة لهذه الظاهرة. يتمثل الأول في استهداف الصحفيين الفلسطينيين والعاملين في الإعلام، بما يشمل القتل والإصابة والتهديد والاحتجاز والقيود المفروضة على ممارسة العمل الصحفي. أما الثاني، فيتعلق بخطاب التحريض والكراهية وإنكار الجرائم، الذي ينسب التقرير جانباً منه إلى مسؤولين إسرائيليين ووسائل إعلام إسرائيلية.
ويتمثل المسار الثالث، بحسب التقرير، في دور بعض وسائل الإعلام الغربية والمنصات الرقمية المؤثرة في إعادة إنتاج روايات يقول إنها قد تحجب الانتهاكات أو تبررها أو تمنحها شرعية، مع تهميش أصوات الفلسطينيين والأدلة المتاحة والمعايير القانونية الدولية.
ويرى التقرير أن تفاعل هذه المسارات لا يضر بحرية الصحافة وحدها، بل يهدد أيضاً إمكانية بناء سجل موثوق للأحداث، وهو ما قد يؤثر في التحقيقات والإجراءات القضائية الرامية إلى تحديد المسؤولية عن الجرائم الدولية المحتملة.
غزة في صدارة المخاطر التي تواجه الصحفيين
يفرد التقرير مساحة واسعة لقطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيراً إلى أن ظروف العمل الصحفي تدهورت بصورة حادة في ظل العمليات العسكرية والدمار والنزوح والمخاطر التي تواجه العاملين في الإعلام وأسرهم.
ويعرض التقرير وقائع تتعلق بمقتل صحفيين فلسطينيين وإصابتهم، وتدمير منازل ومقار إعلامية، إلى جانب صعوبات الحصول على معدات العمل والاتصالات والطاقة والإنترنت. كما يتناول ما يصفه بالقيود التي تعرقل الوصول إلى المعلومات والتحقق المستقل من الأحداث.
ويشير إلى أن استهداف الصحفيين أو تعريضهم لمخاطر جسيمة، بالتزامن مع تدمير البنية التحتية الإعلامية، يحدّ من قدرة المؤسسات الصحفية على تغطية العمليات العسكرية ونقل شهادات المدنيين. ويحذر من أن هذه الظروف لا تقتصر آثارها على لحظة وقوع الحدث، بل قد تؤدي إلى فقدان أدلة وشهادات يصعب استعادتها لاحقاً.
ويتناول التقرير كذلك القيود المفروضة على دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة، والمخاطر التي يتعرض لها الصحفيون المحليون الذين يواصلون العمل في ظروف بالغة الخطورة. ويربط بين هذه القيود وتراجع فرص التحقق المستقل من الوقائع، خصوصاً عندما يتعذر الوصول إلى مواقع الأحداث أو إجراء مقابلات مباشرة مع الشهود.
الضفة الغربية: استهداف وقيود وملاحقات
ولا يحصر التقرير ملاحظاته في غزة، بل يتناول أيضاً الأوضاع في الضفة الغربية، حيث يرصد مخاطر يقول إن الصحفيين يواجهونها أثناء تغطية العمليات العسكرية والاقتحامات والتطورات الميدانية.
ويشير إلى أن الاعتداءات والقيود على الحركة والوصول إلى مواقع الأحداث، إلى جانب الاحتجاز والملاحقات، قد تعرقل عمل الصحفيين وتحدّ من قدرتهم على نقل الوقائع بصورة مستقلة. كما يناقش أثر الإجراءات التي تقيد عمل المؤسسات الإعلامية أو تحد من نشر المعلومات، في ظل تصاعد التوترات والانتهاكات التي يوثقها التقرير.
ويشدد التقرير على أن الصحفيين والعاملين في الإعلام يتمتعون بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني، وأن صفتهم المدنية لا تسقط لمجرد ممارستهم العمل الصحفي أو تغطيتهم أحداث النزاع. كما يوضح أن وجود الصحفيين في مناطق العمليات لا يجعلهم، بحد ذاته، مشاركين مباشرة في الأعمال العدائية.
ويؤكد أن أي قيود أو إجراءات تستهدف الإعلام يجب أن تُقيّم وفق القواعد القانونية ذات الصلة، وأن وصف الصحفيين بالإرهاب أو المشاركة في القتال لا ينبغي أن يُستخدم بصورة تعسفية لتبرير استهدافهم أو حرمانهم من الحماية القانونية.
التضليل وخطاب الكراهية وإنكار الانتهاكات
يخصص التقرير قسماً لدور الخطاب الإعلامي والسياسي في تشكيل الروايات المتعلقة بالحرب، ويقول إن التحريض على الكراهية وتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم وإنكار الانتهاكات يمكن أن يسهم في خلق بيئة تتراجع فيها المساءلة وتتسع فيها مساحة تبرير العنف.
كما يناقش التقرير دور بعض وسائل الإعلام والمنصات الرقمية في نشر روايات غير متحققة أو تقديم ادعاءات من دون تمحيص كافٍ، فضلاً عن اتهامات موجّهة إلى مؤسسات إعلامية بتهميش الأدلة أو أصوات الشهود الفلسطينيين. ويعرض هذه الممارسات ضمن إطار أوسع يتعلق بتأثير التغطية الإعلامية في فهم الجمهور للأحداث وفي إمكان مساءلة الجهات المسؤولة.
ويحذر من أن تكرار الادعاءات من دون التحقق منها، أو التعامل الانتقائي مع الأدلة، قد يضعف ثقة الجمهور بالمعلومات ويشوّش النقاش العام بشأن الانتهاكات المحتملة. ويؤكد أن مسؤولية المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية لا تتعلق بحرية التعبير وحدها، بل تشمل أيضاً الالتزام بالتحقق من المعلومات وتجنب نشر محتوى يحرّض على الكراهية أو يساهم في إخفاء جرائم جسيمة.
وفي هذا السياق، يشدد التقرير على أهمية التمييز بين التغطية الصحفية القائمة على التحقق وبين الدعاية التي تسعى إلى توجيه الرأي العام أو تبرير الانتهاكات، مع ضرورة عدم استخدام مكافحة التضليل ذريعة لفرض قيود تعسفية على التعبير أو إسكات الصحفيين.
الإطار القانوني: حماية الصحفيين وحفظ الأدلة
يستند التقرير إلى مجموعة من قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، ويشير إلى اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها، وإلى أحكام وقرارات صادرة عن محكمة العدل الدولية وغيرها من الهيئات القضائية الدولية.
ويؤكد أن الصحفيين، باعتبارهم مدنيين، يتمتعون بالحماية من الهجمات ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية، وأن المؤسسات الإعلامية والبنية التحتية المدنية لا يجوز استهدافها لمجرد استخدامها لأغراض صحفية. كما يشير إلى أن التحريض على الإبادة الجماعية والكراهية قد يثير مسؤوليات قانونية وفق الظروف والأدلة المتاحة والقواعد المنطبقة.
ويولي التقرير أهمية خاصة لحفظ المواد الصحفية، بما فيها الصور والتسجيلات والمقابلات والشهادات، باعتبارها أدلة قد تكون ذات صلة بالتحقيقات والإجراءات القضائية مستقبلاً. ويشدد على أن ضياع هذه المواد أو إتلافها أو منع الوصول إليها قد يعرقل تحديد المسؤولية عن الجرائم المحتملة.
ويحذر من أن المساءلة لا تتوقف على جمع الأدلة فحسب، بل تتطلب أيضاً ضمان استقلالية التحقيقات، وحماية الشهود والصحفيين، وإتاحة المعلومات للجهات القضائية المختصة، وعدم عرقلة عمل المؤسسات القادرة على التحقق من الوقائع.
توصيات أممية لحماية الصحفيين ومحاسبة المسؤولين
في ختام التقرير، تدعو ألبانيزي الجمعية العامة للأمم المتحدة والدول والهيئات القضائية والمؤسسات الإعلامية وشركات التكنولوجيا إلى اتخاذ إجراءات لحماية الصحفيين والعاملين الذين يوثقون الانتهاكات، والحفاظ على الأدلة التي قد تكون ضرورية لتحقيق العدالة.
ومن أبرز التوصيات التي يوجهها التقرير إلى الجمعية العامة إنشاء آلية مستقلة لجمع الأدلة المتعلقة بالجرائم المرتكبة ضد الصحفيين والبيئة الإعلامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وحفظها. كما يدعو إلى اتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ الأوامر والتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، بما يشمل حماية الصحفيين، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً، والكشف عن مصير المفقودين قسراً، وتسهيل وصول الجهات الإنسانية والإعلامية والرقابية إلى غزة.
ويحث التقرير الدول على التحقيق في الاعتداءات التي تستهدف الصحفيين الفلسطينيين وملاحقة المسؤولين عنها قضائياً، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية. كما يدعو إلى إعادة النظر في التمويل العام والشراكات المؤسسية مع وسائل الإعلام والمنصات الرقمية التي تنشر، بصورة ممنهجة، خطاب الكراهية أو التحريض على التمييز والعنف والإبادة الجماعية، أو تسهم في إخفاء الجرائم الجسيمة.
أما المؤسسات الإعلامية والمنصات الإلكترونية، فيطالبها التقرير بالتحقق من ادعاءات الأطراف المتحاربة قبل نشرها، وإعطاء التصحيحات أهمية مناسبة عندما يتبين عدم دقة المعلومات، وعدم معاقبة الصحفيين بسبب تعبيرهم عن آرائهم بشأن فلسطين. كما يدعو إلى معالجة الأضرار التي تلحق بهم، وتوفير سبل الاعتراض على القرارات التي تقيد عملهم أو تضر بتغطيتهم الصحفية.
ويشدد التقرير كذلك على ضرورة حفظ المحتوى الذي يوثق الجرائم الدولية المحتملة وإتاحته للجهات المختصة، مع مراعاة الضمانات اللازمة لحماية الشهود والمصادر الصحفية وسلامة الإجراءات القضائية.
المساءلة شرط لحماية الحقيقة ومنع تكرار الانتهاكات
يخلص التقرير إلى أن حماية الصحفيين ليست مسألة مهنية منفصلة عن الأوضاع الإنسانية والقانونية في الأراضي الفلسطينية، بل ترتبط مباشرة بقدرة المجتمع الدولي على معرفة ما حدث وتحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات اللازمة.
وبحسب ألبانيزي، فإن تقويض العمل الصحفي لا يؤدي فقط إلى إسكات الشهود، وإنما قد يضعف أيضاً الأدلة التي تحتاج إليها المحاكم والجهات المختصة لإجراء تحقيقات مستقلة. ويحذر التقرير من أن انتشار خطاب تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وتراجع التحقق المستقل، وتهميش الأدلة، قد يهيئ ظروفاً يصبح فيها الإفلات من العقاب أكثر سهولة.
ويختتم التقرير بالتأكيد على أن حماية الصحفيين الذين يوثقون الانتهاكات، وصون المواد التي يجمعونها، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات عليهم، تمثل عناصر أساسية للحفاظ على السجل التاريخي والقانوني للأحداث. ويرى أن غياب هذه الضمانات يهدد فرص تحقيق العدالة ويضعف قدرة المجتمع الدولي على منع تكرار الجرائم الجسيمة.
المصدر: تقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، فرانشيسكا ألبانيزي، بعنوان «الحقيقة تحت الأنقاض: وسائل الإعلام في زمن الإبادة الجماعية»







