أنقرة – رفعت كندا وتركيا مستوى علاقاتهما الثنائية إلى «شراكة استراتيجية»، خلال زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى تركيا، اليوم الخميس، في خطوة تعكس رغبة البلدين في توسيع التعاون الاقتصادي والأمني، بالتزامن مع سعي أوتاوا إلى تنويع علاقاتها التجارية وتقليل اعتمادها على السوق الأميركية.
وجاء الاتفاق خلال لقاء كارني بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في القصر الرئاسي بالعاصمة أنقرة، ليشكل تطوراً مهماً في العلاقات بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي، بعد فترة طويلة من الفتور الدبلوماسي المرتبط، من بين أمور أخرى، بمخاوف كندية بشأن حقوق الإنسان وقيود سابقة على تصدير الأسلحة إلى تركيا.
وتركز الشراكة الجديدة على أربعة محاور رئيسية تشمل التجارة والاستثمار، والدفاع والأمن، والطاقة، والعلاقات الاجتماعية والدبلوماسية، مع وضع خطة عمل تمتد ثلاث سنوات، بهدف توسيع التعاون بين المؤسسات والشركات في البلدين، وخلق فرص عمل جديدة وتعزيز المصالح المشتركة.
وقال كارني، خلال ظهوره إلى جانب أردوغان، إن الاتفاق يؤسس لشراكة استراتيجية من شأنها توفير فرص جديدة للعمال والشركات وتعزيز الأمن والازدهار لشعبي البلدين، معرباً عن أمله في أن يتطور التعاون الجديد ويستمر خلال الأجيال المقبلة.
وخلال مراسم التوقيع، أبرم وزراء من كندا وتركيا اتفاقيات تعاون في مجالات الطاقة والدفاع والنقل الجوي، في إطار الجهود الرامية إلى ترجمة التقارب السياسي إلى مشاريع عملية وتعاون اقتصادي أوسع.
رفع التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار
يمثل توسيع التجارة الثنائية أحد أبرز أهداف الاتفاق، إذ أعلن أردوغان أن البلدين يتطلعان إلى رفع حجم التبادل التجاري من نحو ثلاثة مليارات دولار حالياً إلى خمسة مليارات دولار في مرحلة أولى، ثم إلى عشرة مليارات دولار لاحقاً.
وقال الرئيس التركي إن البلدين اتخذا خطوة مهمة لتجاوز حالة الفتور التي استمرت فترة طويلة، وبدء مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، مشيداً بكارني ووصفه بأنه قائد يتمتع بالحكمة والفطنة على الساحة السياسية العالمية.
من جانبه، أعلن كارني أن مسؤولين من البلدين سيجتمعون في أنقرة الشهر المقبل لإطلاق الجولة الأولى من محادثات اتفاقية التجارة الحرة، في خطوة تهدف إلى تسهيل حركة التجارة والاستثمار وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة للشركات الكندية والتركية.
كما أشار إلى أن هيئة تنمية الصادرات الكندية وبنك التصدير والاستيراد التركي سيوقعان اتفاقية جديدة لمساعدة شركات البلدين على التعاون في تنفيذ مشاريع في أسواق دول أخرى، بما يتيح توسيع نشاطها خارج الأسواق المحلية وتعزيز فرصها في المنافسة الدولية.
ومن المقرر أن يلتقي كارني، يوم الجمعة، مجموعة من كبار رجال الأعمال والمستثمرين الأتراك في إسطنبول، في إطار مساعيه لتوسيع الروابط التجارية واستكشاف فرص استثمارية جديدة.
كندا تسعى إلى تقليل الاعتماد التجاري على الولايات المتحدة
تأتي الزيارة في سياق حملة يقودها كارني لتوسيع العلاقات التجارية الكندية مع شركاء جدد، بهدف الحد من تعرض الاقتصاد الكندي للتقلبات في علاقته التجارية مع الولايات المتحدة.
وتواجه كندا ضغوطاً في ظل الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب الخلافات المتعلقة بالعلاقات الاقتصادية والسيادة، الأمر الذي دفع الحكومة الكندية إلى تكثيف جهودها لفتح أسواق بديلة أمام صادراتها.
ولا تزال الولايات المتحدة الوجهة الرئيسية للصادرات الكندية، إذ تستقبل نحو 70% منها، ما يجعل الاقتصاد الكندي شديد الارتباط بالسوق الأميركية، ويزيد أهمية تنويع الشركاء التجاريين بالنسبة إلى أوتاوا.
ورغم محدودية حجم التجارة بين كندا وتركيا مقارنة بحجم التجارة الكندية الإجمالي، فإن التبادل التجاري بين البلدين ارتفع بنحو 50% خلال السنوات الخمس الماضية.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، شكلت تركيا أقل من 0.3% من إجمالي تجارة السلع الكندية، بقيمة بلغت 4.34 مليارات دولار كندي، أي ما يعادل نحو 3.09 مليارات دولار أميركي.
وقالت بسمة موماني، أستاذة العلوم السياسية في جامعة واترلو، إن زيارة كارني تندرج ضمن ضرورة جيوسياسية تتمثل في إظهار أن كندا تتحرك لتوسيع خياراتها الاقتصادية، بدلاً من انتظار تطورات علاقاتها مع الولايات المتحدة.
وكانت كندا قد أبرمت أكثر من 20 اتفاقية تجارية خلال العام السابق، ضمن مساعي كارني لمضاعفة الصادرات إلى الدول خارج الولايات المتحدة خلال العقد المقبل. كما زار الصين في يناير/كانون الثاني بهدف إصلاح العلاقات المتوترة، وأبرم اتفاقاً أدى إلى خفض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية وزيت الكانولا.
تعاون في الطاقة النووية والغاز الطبيعي المسال والمعادن الحيوية
يشكل قطاع الطاقة أحد المحاور الرئيسية للشراكة الجديدة، إذ تعهدت كندا وتركيا بتعزيز التعاون في مجالات الطاقة النووية والمعادن الحيوية والغاز الطبيعي المسال، وهي قطاعات تتيح فرصاً للاستثمار طويل الأجل وتطوير سلاسل الإمداد.
وتسعى تركيا إلى استقطاب استثمارات جديدة في اقتصادها، وتعزيز قدراتها الصناعية والتكنولوجية، بما يشمل قطاع الطاقة النووية والصناعات الدفاعية والتعدين.
وفي هذا الإطار، أجرت أنقرة محادثات مع شركة الهندسة الكندية «أتكنز رياليس»، إلى جانب شركة الطاقة الكهربائية الكورية الجنوبية وشركة استثمار الطاقة الصينية، بشأن إمكانية بناء محطتين نوويتين جديدتين، هما الثانية والثالثة ضمن خطط تركيا لتوسيع قدرتها على توليد الطاقة النووية.
ومن شأن تعزيز التعاون الكندي التركي في هذا المجال أن يفتح المجال أمام شركات البلدين للمشاركة في مشروعات الطاقة، وتبادل الخبرات والتكنولوجيا، واستكشاف فرص الاستثمار في البنية التحتية للطاقة.
التعاون الدفاعي يتقدم بعد رفع القيود على صادرات الأسلحة
يمثل الدفاع والأمن محوراً آخر في الاتفاق، خصوصاً في ظل سعي تركيا إلى تعزيز صناعتها الدفاعية وتوسيع حضورها في الأسواق الدولية، مقابل رغبة كندا في بناء شراكات أمنية وصناعية جديدة.
وكانت كندا قد رفعت في عام 2024 قيود تصدير الأسلحة إلى تركيا، بما في ذلك القيود المفروضة على التكنولوجيا البصرية المستخدمة في الطائرات المسيّرة التركية التي تصدرها أنقرة إلى عشرات الدول.
وجاءت تلك الخطوة بعد فترة من الخلافات المتعلقة بالصادرات الدفاعية، لتوفر أساساً لتوسيع التعاون بين البلدين في بعض المجالات الصناعية والتكنولوجية المرتبطة بالدفاع.
وكان كارني وأردوغان قد أطلقا مفاوضات بشأن اتفاقية تجارة حرة خلال قمة قادة حلف شمال الأطلسي في يوليو/تموز، كما وافقت تركيا على الانضمام إلى بنك الدفاع والأمن والمرونة الكندي بصفة عضو مؤسس.
وتعكس هذه الخطوات توجهاً نحو توسيع نطاق التعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين، بالتوازي مع المفاوضات التجارية الجديدة.
صادرات متبادلة وفرص لتوسيع التعاون الاقتصادي
تشمل التجارة القائمة بين البلدين مجموعة متنوعة من المنتجات، إذ تصدر كندا إلى تركيا بصورة رئيسية العدس والطائرات والإلكترونيات، بينما تستورد منها الأجهزة الطبية وسفن الصيد ومحركات الطائرات والمجوهرات.
ويمنح تنوع المنتجات المتبادلة أساساً لتوسيع التعاون التجاري، فيما تسعى الحكومتان إلى تسهيل عمل الشركات وتعزيز الاستثمارات المشتركة، بما يساهم في زيادة حجم التجارة وتحقيق الأهداف المعلنة للشراكة الاستراتيجية.
وتسعى تركيا، باعتبارها اقتصاداً ناشئاً رئيسياً وقوة عسكرية إقليمية، إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية وتوسيع تعاونها في قطاعات استراتيجية، في حين تعمل كندا على تنويع أسواقها وتخفيف الاعتماد على الولايات المتحدة.
وبين هذه المصالح المشتركة، تراهن أنقرة وأوتاوا على أن تتيح الشراكة الجديدة فرصاً أوسع للتجارة والاستثمار والتعاون التكنولوجي والدفاعي، على أن يتوقف تحقيق الأهداف المعلنة على تقدم مفاوضات التجارة الحرة، وتنفيذ خطة العمل الثلاثية، وتحويل الاتفاقيات إلى مشروعات ملموسة خلال السنوات المقبلة.






