وكالات - قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن الاتحاد الأوروبي يأمل ألا يضطر إلى استخدام مجموعة جديدة من الصلاحيات التجارية لمواجهة المنافسة الصينية، لكنه شدد على ضرورة استعداد التكتل للدفاع عن اقتصاده وصناعته في مواجهة ما وصفه بتصاعد الممارسات التجارية العدوانية.
وأوضح ميرتس، خلال مشاركته في مؤتمر «حوار برلين العالمي» الأربعاء، أن القادة الأوروبيين يحصلون على دعم متزايد من الشركات التي ترى أن التحرك لمعالجة الاختلالات التجارية مع الصين تأخر كثيراً.
وأشار إلى أن أوروبا، التي دافعت طويلاً عن التجارة المفتوحة باعتبارها ركيزة للنظام الاقتصادي العالمي القائم على القواعد، تخوض نقاشاً جديداً بشأن الوسائل المناسبة لحماية اقتصاداتها من المنافسة التي تعتبرها غير متكافئة.
وقال ميرتس إن الاختلالات الحالية تشمل خفض قيمة العملات، والدعم الحكومي، ووجود طاقات إنتاجية فائضة بمستويات لا تستهدف السوق العالمية فحسب، معتبراً أن هذه العوامل تضع المنتجين الأوروبيين الذين يعملون في ظروف السوق المعتادة أمام منافسة غير عادلة.
تحول في الموقف الألماني تجاه الصين
شهد موقف ميرتس من التجارة مع الصين تشدداً خلال الأشهر السبعة عشر التي قضاها في منصب المستشار، رغم توجهه المحافظ ودفاعه التقليدي عن النموذج الاقتصادي الألماني القائم على التصدير.
وتوصل ميرتس إلى توافق مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن إتاحة أدوات تجارية أوروبية أكثر صرامة، وهو ما مهّد الطريق أمام تحرك مشترك خلال اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي.
ويمثل هذا التحول ابتعاداً عن النهج الألماني التقليدي الذي سعى إلى تجنب إجراءات قد تؤدي إلى نزاع تجاري مع بكين وتنعكس سلباً على النمو الاقتصادي والشركات الألمانية ذات المصالح الواسعة في السوق الصينية.
وعندما واجه ميرتس تساؤلات بشأن الفائض التجاري الألماني، دافع عن قدرة بلاده التنافسية في الأسواق العالمية، مشيراً إلى اختلافها عن النموذج الاقتصادي الصيني الذي قال إنه يتسم بتدخل حكومي واسع.
الاتحاد الأوروبي يفتح صندوق أدواته التجارية
وحظي توسيع الأدوات التجارية الأوروبية بدعم القادة خلال اجتماع في بروكسل الأسبوع الماضي، في خطوة تستهدف تعزيز قدرة الاتحاد على التعامل مع الاختلالات التجارية وحماية مصالحه الاقتصادية.
وتشمل الأدوات المقترحة إجراءً يمكن أن يتيح، في الحالات القصوى، تقييد وصول منافسين اقتصاديين مثل الصين إلى السوق الأوروبية، التي تضم نحو 450 مليون مستهلك.
ويأتي هذا التحرك في ظل ارتفاع العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين إلى نحو 360 مليار يورو، بما يعادل 404 مليارات دولار، خلال العام الماضي، وفقاً للأرقام الواردة في التقرير.
وقال ميرتس إن الاتحاد الأوروبي يريد إظهار الأدوات المتاحة لديه والاستعداد لاستخدامها عند الضرورة، لكنه لا يسعى إلى الدخول في مواجهة تجارية.
وأضاف أن أوروبا يجب أن تكون قادرة على حماية صناعتها ومصالحها الاقتصادية، مع الحفاظ على انفتاح أسواقها.
ميرتس: النهج الأوروبي يختلف عن السياسة الأميركية
أكد المستشار الألماني تمسكه بالتجارة المفتوحة، مشيراً إلى أن التوجه الأوروبي يختلف عن سياسة الرسوم الجمركية المشددة التي يتبعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وأوضح ميرتس أن الولايات المتحدة اتخذت خطوات واسعة لتقييد وصول الشركات والمنتجات الصينية إلى سوقها، في حين لا ترغب أوروبا في اتباع النهج نفسه، بل تسعى إلى الحفاظ على انفتاحها التجاري مع امتلاك وسائل للرد على الممارسات التي تعتبرها غير عادلة.
ويعكس هذا الموقف محاولة أوروبية للموازنة بين حماية الصناعات المحلية واستمرار العلاقات التجارية مع الصين، التي تمثل سوقاً مهمة للشركات الأوروبية ومصدراً رئيسياً للعديد من السلع والمواد الصناعية.
المعادن الأرضية النادرة ورقة ضغط صينية
تواجه أوروبا تحدياً إضافياً يتمثل في اعتمادها الكبير على الصين في إمدادات المعادن الأرضية النادرة، التي تُستخدم في صناعات استراتيجية تشمل السيارات الكهربائية وأنظمة الدفاع والتقنيات المتقدمة.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، يستورد الاتحاد الأوروبي 46% من احتياجاته من المعادن الأرضية النادرة من الصين، فيما يصل اعتماده عليها في المعادن الأرضية النادرة الثقيلة إلى 100%.
وتكتسب هذه المواد أهمية خاصة في تصنيع المغناطيسات الدائمة المستخدمة في تطبيقات صناعية وعسكرية، ما يجعل استقرار إمداداتها عاملاً مؤثراً في قدرة المصانع الأوروبية على الإنتاج.
وتسعى الدول الأوروبية إلى تقليل اعتمادها على الواردات الصينية وتأمين مصادر بديلة للمواد الحيوية، في وقت تمنح فيه هيمنة بكين على سلاسل إمداد هذه المعادن الصين نفوذاً اقتصادياً يمكن أن يؤثر في علاقاتها التجارية مع شركائها.
ميرتس يحذر من توظيف الاعتماد الاقتصادي سياسياً
وفي كلمة ألقاها قبل مشاركته في المؤتمر، حذر ميرتس من استخدام الاعتماد المتبادل بين الاقتصادات وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو استراتيجية.
وأشار إلى روسيا، متهماً إياها بشن هجمات هجينة تهدف إلى إحداث انقسامات داخل أوروبا، كما لفت إلى تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على منظومة الطاقة العالمية.
وأضاف أن الصين والولايات المتحدة تخوضان منافسة شديدة على التفوق الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي، ولا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي.
واعتبر أن تصاعد الحمائية التجارية يعرقل حركة التجارة الحرة العالمية، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى حماية مصالحها من دون التخلي عن مبدأ انفتاح الأسواق.
توازن صعب بين حماية الصناعة واستمرار التجارة
تواجه أوروبا تحدياً يتمثل في صياغة سياسة تجارية تحمي منتجيها من المنافسة التي تعتبرها غير عادلة، من دون التسبب في تصعيد واسع مع الصين أو الإضرار بالشركات الأوروبية التي تعتمد على السوق الصينية وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.
وتشير تصريحات ميرتس إلى أن برلين باتت أكثر استعداداً لدعم استخدام أدوات أوروبية أشد صرامة، مع استمرار التأكيد على أن الهدف ليس إغلاق السوق الأوروبية أمام المنتجات الصينية.
ويبقى مدى استخدام هذه الأدوات عاملاً حاسماً في تحديد مسار العلاقات التجارية بين الجانبين، خصوصاً في ظل الخلافات بشأن الدعم الحكومي، وفائض الإنتاج، والمعادن النادرة، والتنافس على التقنيات المتقدمة.







