متابعات - حذّر فيليب لازاريني، المفوض العام السابق لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، من التداعيات الخطيرة لاستمرار التقاعس الدولي إزاء الأوضاع في قطاع غزة، مشيرا إلى أن الفلسطينيين قد يواجهون مصيرا مشابها لمصير السكان الأصليين لأميركا، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتدهور الظروف الإنسانية والمعيشية.
وقال لازاريني، في تصريحات صحفية أدلى بها الثلاثاء، إن الوقت المتاح للتحرك لإنقاذ سكان القطاع يتضاءل، محذرا من أن عدم اتخاذ خطوات دولية فعالة قد يقود إلى عواقب كارثية على الفلسطينيين. ودعا المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها دون عوائق، والحفاظ على ما تبقى من مقومات الحياة في القطاع.
ووصف المسؤول الأممي السابق الأزمة الإنسانية في غزة بأنها من بين الأسوأ في العصر الحديث، في ظل اتساع رقعة الدمار، واستمرار نقص الغذاء والاحتياجات الأساسية، وتدهور الظروف المعيشية لمئات الآلاف من الفلسطينيين، فضلا عن استمرار النزوح وتراجع قدرة المؤسسات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
تقليص المساعدات الغذائية يفاقم معاناة الفلسطينيين
وتأتي تحذيرات لازاريني في وقت تواجه فيه العمليات الإغاثية في قطاع غزة ضغوطا متزايدة بسبب نقص التمويل، ما ينعكس مباشرة على أعداد المستفيدين من المساعدات الإنسانية، ويهدد بحرمان مزيد من الأسر الفلسطينية من الدعم الأساسي.
وفي هذا السياق، أعلن برنامج الأغذية العالمي تقليص عدد المستفيدين من مساعداته في القطاع من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص خلال الشهر الجاري، بسبب نقص التمويل. ويعني هذا التخفيض خروج نحو 500 ألف فلسطيني من قوائم المستفيدين من المساعدات التي كانوا يتلقونها، في وقت لا تزال فيه الاحتياجات الغذائية والمعيشية مرتفعة.
ويثير تراجع التمويل مخاوف من اتساع فجوة الاحتياجات الإنسانية، خصوصا في ظل استمرار اعتماد أعداد كبيرة من السكان على المساعدات لتأمين الغذاء والاحتياجات اليومية، مع محدودية الموارد المتاحة وصعوبة توفير متطلبات الحياة الأساسية.
اليونيسف تحذر من استمرار سوء التغذية بين الأطفال
وعلى صعيد الأوضاع الصحية والغذائية للأطفال، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، في 16 أكتوبر، من هشاشة التحسن المسجل في مواجهة سوء التغذية داخل قطاع غزة، مؤكدة أن الظروف الإنسانية لا تزال تشكل تهديدا للأطفال، في ظل استمرار النزوح والعيش في أماكن إيواء غير آمنة.
وأشارت المعطيات الواردة في التقرير إلى أن نحو 800 ألف طفل ما زالوا نازحين في ظروف لا توفر الحماية والاستقرار الكافيين، بينما يعاني طفل واحد من كل ثمانية أطفال دون سن الخامسة من سوء التغذية المزمن.
كما لا يحصل سوى ثلث الأطفال الذين تقل أعمارهم عن عامين على الحد الأدنى من التنوع الغذائي، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه الأسر في توفير غذاء متوازن لأطفالها، ويثير مخاوف بشأن الآثار الصحية والنمائية طويلة الأمد الناجمة عن استمرار نقص التغذية.
وتسلط هذه المؤشرات الضوء على هشاشة الوضع الإنساني في القطاع، خصوصا لدى الفئات الأكثر ضعفا، وفي مقدمتها الأطفال، الذين تتفاقم مخاطر تعرضهم لسوء التغذية والأمراض في ظل النزوح وتراجع الخدمات الأساسية وصعوبة الوصول إلى الاحتياجات الضرورية.
سقوط شهداء رغم وقف إطلاق النار
ميدانيا، لا تزال الخسائر البشرية مستمرة في قطاع غزة رغم مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار، إذ استشهد خمسة فلسطينيين على الأقل، الثلاثاء، جراء القصف وإطلاق النار الإسرائيلي، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
وشملت حصيلة الشهداء زوجين استُهدفت شقتهما في مدينة غزة، إضافة إلى فتى يبلغ من العمر 17 عاما قُتل قرب مدينة خان يونس، في استمرار للمخاطر التي يتعرض لها المدنيون في مناطق متفرقة من القطاع.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا بنيران الاحتلال منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار 1500 شخص، في مؤشر على استمرار سقوط الضحايا رغم الاتفاق، وما يرافق ذلك من مخاوف بشأن سلامة المدنيين وإمكانية تثبيت التهدئة.
وتتزامن هذه التطورات الميدانية مع استمرار النزوح وتراجع المساعدات الإنسانية، في وقت لا يزال فيه التقدم نحو إعادة إعمار القطاع متعثرا، وسط القيود الإسرائيلية المفروضة على هذا المسار، بحسب التقرير.
تحذيرات من انهيار ما تبقى من مقومات الحياة
وتعكس التطورات الإنسانية والميدانية في غزة تداخلا متزايدا بين مخاطر القصف، وتراجع الدعم الإغاثي، واستمرار نزوح السكان، إلى جانب تعثر جهود إعادة الإعمار. ويؤدي هذا التداخل إلى زيادة الضغوط على الأسر الفلسطينية، ولا سيما تلك التي فقدت منازلها ومصادر رزقها وتعتمد بصورة أساسية على المساعدات.
وفي ظل هذه الظروف، تتجدد الدعوات إلى المجتمع الدولي لاتخاذ خطوات عملية تضمن حماية المدنيين، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، وتوفير التمويل اللازم للبرامج الإغاثية، إلى جانب دعم الجهود الرامية إلى استعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف اللازمة لإعادة الإعمار.
ويحذر لازاريني من أن استمرار غياب التحرك الدولي الفعال قد يؤدي إلى عواقب بعيدة المدى على سكان القطاع، في وقت تتقلص فيه الموارد المتاحة لتلبية احتياجاتهم، وتتزايد فيه المخاطر التي تهدد حياتهم وسبل عيشهم ومستقبل الأجيال الفلسطينية القادمة.






