الأراضي المحتلة - عرض رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وثيقة جديدة تفصّل «المفهوم الأمني» لإسرائيل، قال إنه صاغها بعد هجوم 7 أكتوبر، من دون أن تستند إلى استخلاصات لجنة تحقيق تفحص عملية اتخاذ القرارات التي سبقت الهجوم.
وسعى نتنياهو إلى إبراز الفوارق بين الوثيقة الجديدة والمفهوم الأمني الذي صاغه عام 2018، والذي وجّه سياساته في الفترة التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، مدعيًا أن الوثيقتين تتضمنان تغييرات جوهرية في المبادئ والتوجهات الأمنية.
لكن المقارنة بين الوثيقتين تعيد إلى الواجهة أسئلة بشأن السياسات التي اعتمدتها الحكومة الإسرائيلية قبل الهجوم، ولا سيما التعامل مع قطاع غزة والافتراضات المتعلقة بقدرات حركة حماس ونواياها.
وثيقة 2018: إنهاء المعارك من دون حسم
في مسودة المفهوم الأمني السابق، التي كشفت عنها صحيفة «هآرتس» في آب/أغسطس 2023، ورد أن «عندما لا يترتب على عدم حسم المعركة ثمن باهظ للغاية بالنسبة إلينا، يمكن إنهاؤها من دون حسم واضح».
وقد يُفسَّر هذا البند باعتباره أحد الأطر التي وجّهت التعامل مع جولات القتال المتكررة في قطاع غزة، والتي انتهت من دون تحقيق حسم عسكري نهائي.
وفي المقابل، تضمنت المسودة نفسها مبادئ أخرى لم تُطبَّق، وفق ما ورد في النص، بينها ضرورة العمل على «ضرب تعاظم قوة العدو دون عتبة الحرب، ومنع تجاوز عتبة حرجة».
كما نصت على توجيه يقضي بأن يحسم الجيش الإسرائيلي المعركة بسرعة، لمنع الخصم من تحقيق إنجازات كبيرة، من بينها احتلال بلدات قريبة من الحدود.
وتكشف هذه المبادئ عن فجوة بين التوجيهات التي تضمنتها الوثيقة السابقة والسياسات التي اتُّبعت فعليًا قبل هجوم 7 أكتوبر.
مراقب الدولة: المفهوم السابق لم يُعتمد رسميًا
وكان مراقب الدولة الإسرائيلي، متنياهو إنغلمان، قد وجّه انتقادات إلى نتنياهو بسبب عدم عرض الوثيقة الأمنية التي صاغها عام 2018 على المجلس الوزاري السياسي والأمني المصغر «الكابينت»، للحصول على موافقة رسمية وملزمة.
وبحسب التقرير، أدى غياب المصادقة الرسمية إلى عدم تخصيص ميزانيات لتنفيذ المفهوم الأمني، وعدم اشتقاق خطط عمل منظمة للجيش الإسرائيلي استنادًا إلى مبادئه.
وخلص مراقب الدولة إلى أن المبادئ الأساسية الثلاثة التي استند إليها المفهوم انهارت في هجوم 7 أكتوبر، وهي الردع والافتراض بأن حماس مقيّدة ويمكن احتواؤها، والإنذار الاستخباراتي، والدفاع المعتمد على العوائق التكنولوجية وما وصفته الوثيقة بـ«الجدار الفولاذي» على حدود قطاع غزة.
الهجوم بدل الاحتواء والاستقلال في إنتاج السلاح
يضع المفهوم الأمني الجديد، وفق ما عرضه نتنياهو، «إعطاء الأولوية للمنع والهجوم على الاحتواء والدفاع، بما في ذلك توجيه ضربات استباقية»، في مقدمة المبادئ التي ينبغي أن توجّه السياسة الأمنية الإسرائيلية.
ويشكّل هذا التوجه تحولًا معلنًا نحو منح المبادرة العسكرية والضربات الوقائية دورًا أكثر مركزية، بدل الاعتماد على احتواء التهديدات أو انتظار تطورها.
وتتضمن الوثيقة أيضًا مبادئ سبق أن وردت في المفهوم الأمني السابق، من بينها ضرورة أن تكون إسرائيل «متقدمة بخطوة على أعدائها»، وتجنّب الاحتواء عندما يكون الهجوم ممكنًا، وعدم الاعتماد على نوايا الخصوم أو الحلفاء، التي قد تتغير بسرعة.
وتشمل المبادئ الأخرى تعزيز الإنذار الاستخباراتي لمنع الخصم من توجيه «الضربة الأولى»، والمبادرة والخداع العسكري، واعتماد نهج نقدي، وتقوية الدفاعات، وإقامة مناطق عازلة ومنع التسلل، والاستعداد الدائم للحرب، وبناء التحالفات الدولية، وتطوير التكنولوجيا وتعزيز الاستقلالية في بناء القوة العسكرية.
ويبرز في الوثيقة الجديدة فصل مخصص لبناء «أقصى قدر من الاستقلالية في مجال الذخائر»، في إشارة إلى رغبة إسرائيل في تقليص اعتمادها على مصادر التسليح الخارجية.
نتنياهو: يجب أن نعتمد على أنفسنا في إنتاج الأسلحة
ألمح نتنياهو إلى تأخير شحنات الأسلحة خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، قائلًا: «مع بايدن، رأيتم ما حدث، ولا نريد أن نصل إلى ذلك».
وأضاف أن إسرائيل بحاجة إلى إنتاج ذخائرها وأسلحتها بنفسها، مشيرًا إلى إمكانية التعاون مع شركاء، شرط أن يكونوا هم معتمدين على إسرائيل، لا أن تعتمد هي عليهم.
كما دعا إلى إنتاج الأسلحة والذخائر تحت الأرض، بهدف الحد من إمكانية استهدافها وتدميرها خلال الهجمات.
وتعكس هذه التصريحات توجهًا نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي في الصناعات العسكرية، وتقليل تأثير القيود أو التأخيرات التي قد تطرأ على إمدادات السلاح من الحلفاء، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة.
ترتيب جديد للتهديدات: النووي والمسيّرات والصواريخ الدقيقة
تتضمن الوثيقة ترتيبًا للتهديدات التي تواجه إسرائيل، يبدأ بالأسلحة النووية، تليها تهديدات الطائرات المسيّرة الصغيرة، ثم الصواريخ الدقيقة.
وفي المرتبة الرابعة، وضع نتنياهو التهديدات المرتبطة بالهجمات السيبرانية والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، وهي مجالات لم ترد في وثيقة المفهوم الأمني السابقة، بحسب النص المعروض. وقد تؤدي هذه التهديدات، وفق التصور الوارد، إلى تعطيل أنظمة الدولة الحيوية.
أما المرتبة الخامسة، فتشمل الأسلحة غير القانونية في الضفة الغربية وإسرائيل، بينما تشمل المرتبة السادسة الطائرات المسيّرة والمركبات البحرية غير المأهولة تحت الماء، التي قد تهدد المجال البحري ومداخل البحر الأبيض المتوسط.
ويشير إدراج هذه المجالات إلى توسيع نطاق التهديدات الأمنية، بحيث لا يقتصر على القدرات العسكرية التقليدية، بل يشمل أيضًا الهجمات الرقمية والتكنولوجيات المتقدمة والوسائل غير المأهولة.
العزلة السياسية ونزع الشرعية ضمن التحديات
على المستوى الدولي، أشار نتنياهو إلى ما وصفه بظاهرتي نزع الشرعية عن إسرائيل والعزلة السياسية التي تواجهها.
وربط نتنياهو هذين التحديين بما وصفه بـ«الدخول البالغ الأهمية للأقليات الإسلامية» إلى مختلف الدول، في طرح يعكس رؤيته للعوامل التي يعتبرها مؤثرة في مكانة إسرائيل الدولية.
وبذلك، تجمع الوثيقة بين إعادة ترتيب التهديدات العسكرية والتكنولوجية، والدعوة إلى استقلال أكبر في إنتاج السلاح، والتعامل مع التحديات الدبلوماسية والسياسية باعتبارها جزءًا من البيئة الأمنية الإسرائيلية.







