وكالات - حذر رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، من اتساع الفجوة المتوقعة بين أعداد الشباب المقبلين على سوق العمل والوظائف التي يمكن للاقتصادات توفيرها خلال السنوات المقبلة، مشيرًا إلى أن نحو 1.2 مليار شاب سيدخلون سوق العمل خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، مقابل نحو 400 مليون وظيفة يُتوقع أن يوفرها السوق.
وقال بانغا، خلال الجلسة العامة للاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي لعام 2026 في بانكوك، إن توفير فرص العمل بات أحد أبرز تحديات التنمية الاقتصادية، موضحًا أن المؤسسة تواجه مهمتين مترابطتين تتمثلان في تعظيم الاستفادة من الموارد المحدودة، ومساعدة الدول على خلق الوظائف على نطاق واسع.
وشدد على أهمية الجمع بين التمويل العام والاستثمارات الخاصة والعمل الخيري والتكنولوجيا، وفقًا لاحتياجات كل دولة وظروفها الاقتصادية والتنموية.
الصراعات والديون تزيد تعقيد جهود التشغيل
وأوضح بانغا أن استمرار الصراعات، وتراجع الحيز المالي المتاح للحكومات، وارتفاع أعباء الديون، إلى جانب زيادة تكاليف السلع الأساسية، ولا سيما الطاقة والأسمدة، كلها عوامل تزيد صعوبة تمويل التنمية وتوسيع فرص العمل.
وأكد أن الوظيفة لا تمثل مجرد مؤشر اقتصادي، بل ترتبط بالكرامة الإنسانية وقدرة الأفراد على بناء مستقبلهم، محذرًا من أن عدم استثمار إمكانات الشباب قد يؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود الدول.
وأشار إلى أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تحسين كفاءة المؤسسات التنموية، وتسريع تنفيذ المشروعات، وتوسيع مصادر التمويل، وتعزيز قدرة الاقتصادات على استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل.
إصلاحات لتسريع المشروعات وزيادة التمويل
وكشف رئيس مجموعة البنك الدولي عن مجموعة من التغييرات التي نفذتها المؤسسة خلال السنوات الثلاث الماضية بهدف تطوير آليات العمل، وزيادة قدرتها على تمويل التنمية، وتسريع تنفيذ المشروعات.
وشملت الإصلاحات تقليص الفترة اللازمة لإعداد المشروعات من 19 شهرًا إلى تسعة أشهر، وخفض عدد مؤشرات تقييم الأداء من 153 مؤشرًا إلى 22 مؤشرًا تركز على قياس النتائج والأثر، إلى جانب زيادة حصة التمويل المرتبط بتحقيق النتائج من نحو الثلث إلى النصف.
وأضاف بانغا أن إعادة هيكلة ميزانية البنك الدولي للإنشاء والتعمير أتاحت أكثر من 100 مليار دولار من القدرة الإضافية على الإقراض على مدى عشر سنوات، بما يعزز إمكانات تمويل المشروعات التنموية.
112 مليار دولار من رؤوس الأموال الخاصة
وفي إطار جهود توسيع دور القطاع الخاص، قال بانغا إن مجموعة البنك الدولي نجحت في حشد نحو 112 مليار دولار من رؤوس الأموال الخاصة خلال العام الماضي، مقارنة بنحو 35 مليار دولار في السنة المالية 2022. وأضاف أن إجمالي التمويل تجاوز 230 مليار دولار عند احتساب مساهمات المجموعة.
وأشار إلى أن حجم رؤوس الأموال الخاصة التي جرى حشدها تضاعف نحو ثلاث مرات في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، وأربع مرات في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، فيما ارتفع بأكثر من الضعف في أفريقيا.
ومع ذلك، لفت إلى استمرار صعوبة جذب التمويل التجاري إلى البلدان منخفضة الدخل، حيث استقر حجم رؤوس الأموال المحشودة عند نحو ثلاثة مليارات دولار، مؤكدًا أهمية دعم المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، لدورها في تنشيط الاقتصادات وتوفير فرص العمل.
ثلاثة محاور لتوسيع فرص العمل
وأوضح بانغا أن استراتيجية المجموعة لزيادة الوظائف تقوم على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل تطوير البنية التحتية المادية والبشرية، وتعزيز اليقين في السياسات والتشريعات، وإزالة العقبات التي تحد من الاستثمار الخاص.
وتتضمن هذه العقبات مخاطر تقلبات أسعار الصرف وصعوبة الحصول على التمويل، وهما عاملان قد يحدان من استعداد الشركات للاستثمار والتوسع وتوظيف مزيد من العاملين.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن المجموعة خصصت 40 مليار دولار خلال العام الماضي للبنية التحتية والخدمات الأساسية، فيما وُجّه 30% من تمويلها للقطاع العام إلى دعم إصلاح السياسات والمؤسسات.
الكهرباء والمياه والزراعة والصحة ضمن أولويات التنمية
واستعرض بانغا عددًا من المبادرات التنموية التي تعمل عليها المجموعة وشركاؤها، من بينها مبادرة «مهمة 300»، المنفذة بالشراكة مع البنك الأفريقي للتنمية، والتي تستهدف إيصال الكهرباء إلى 300 مليون شخص في أفريقيا بحلول عام 2030. وقال إن 59 مليون شخص استفادوا من المبادرة حتى الآن.
وفي مجال المياه، تستهدف جهود المجموعة وشركائها تعزيز الأمن المائي لما يصل إلى مليار شخص، مع التزام البنك الدولي بالوصول إلى 400 مليون شخص.
أما في القطاع الزراعي، فتشمل الخطط دعم 200 مليون مزارع من أصحاب الحيازات الصغيرة، ضمن جهود أوسع تستهدف الوصول إلى 300 مليون مزارع بحلول عام 2030.
وفي القطاع الصحي، أوضح بانغا أن مبادرة «هيلث ووركس» تهدف إلى توفير خدمات صحية عالية الجودة وميسورة التكلفة لنحو 1.5 مليار شخص بحلول عام 2030، مشيرًا إلى أنها وصلت بالفعل إلى نحو 600 مليون شخص.
كما تعمل المجموعة على توسيع استثماراتها في المعادن الحيوية والممرات الاقتصادية، بهدف دعم إنشاء صناعات محلية، وتحسين نقل المنتجات إلى الأسواق، وخلق فرص عمل جديدة.
الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بنية تحتية ومهارات
وأكد بانغا أن التكنولوجيا، ولا سيما التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي، يمكن أن تؤدي دورًا في رفع الإنتاجية وتوسيع الوصول إلى الأسواق، من خلال مساعدة المزارعين والمعلمين والعاملين في القطاع الصحي ورواد الأعمال على تحسين أدائهم.
لكنه شدد على أن الاستفادة من هذه التقنيات تتطلب توفير بنية تحتية أساسية تشمل الكهرباء والاتصالات والأجهزة الرقمية، إلى جانب تطوير المهارات اللازمة لاستخدامها بفاعلية.
ويعكس ذلك، بحسب توجهات المجموعة التي عرضها بانغا، أهمية ربط الاستثمار في التكنولوجيا بإصلاحات أوسع تتيح للشركات والأفراد الاستفادة منها، بدلًا من الاكتفاء بتوفير الأدوات الرقمية دون تهيئة الظروف اللازمة لاستخدامها.
شراكات دولية لتمويل مشروعات جديدة
وفي ختام كلمته، دعا بانغا إلى توسيع نطاق تنفيذ المشروعات وتعزيز التعاون بين بنوك التنمية متعددة الأطراف والمستثمرين، بما يتيح نقل الاستثمارات إلى جهات تمويل طويلة الأجل، وتحرير رؤوس الأموال لتوجيهها نحو مشروعات جديدة.
وأكد أن الفجوة المتوقعة بين أعداد الشباب الداخلين إلى سوق العمل والوظائف التي يمكن توفيرها ليست حتمية، مشددًا على أن الحد منها يتطلب نموذجًا تنمويًا يجمع التمويل العام ورؤوس الأموال الخاصة والتكنولوجيا والشراكات الدولية.
ويضع هذا التوجه خلق فرص العمل في صلب أولويات التنمية، من خلال تحويل الاستثمارات والإصلاحات الاقتصادية إلى وظائف فعلية ومستدامة تستوعب الأعداد المتزايدة من الشباب وتدعم النمو الاقتصادي على المدى الطويل.







