سماح شاهين- مصدر الإخبارية
خلف أرقام الضحايا في غزة، تتواصل حكايات أشخاص غيّرت الحرب أجسادهم وحياتهم إلى الأبد، مصابون فقدوا أطرافهم أو قدرتهم على الحركة، وأطفال ينتظرون فرصة لاستعادة طفولتهم، ومرضى حرمهم الحصار من استكمال العلاج، وبين البتر والإعاقة والمرض والنزوح، تبدأ معاناة أخرى طويلة لا تنتهي بانتهاء القصف، بل تمتد مع أصحابها إلى سنوات من العلاج والتأهيل والانتظار.
منذ إصابتها خلال الحرب على قطاع غزة، تعيش مريم أبو وردة مع آثار لم تتوقف عند لحظة القصف، بعدما بُترت قدمها وأصبحت حياتها مرتبطة بسلسلة طويلة من الاحتياجات الطبية والإنسانية، فيما فقدت أحد أبنائها أثناء محاولته إنقاذها، وعاشت أيامًا قاسية داخل المستشفى الإندونيسي شمال القطاع، بعدما حوصرت داخله وظنّ ذووها أنها استشهدت.
لم يكن البتر وحده ما غيّر حياة أبو وردة، إذ حملت إصابتها معها ألمًا جسديًا ونفسيًا مستمرًا، إلى جانب فقدان ابنها الذي استشهد أثناء محاولته الوصول إليها وإنقاذها في خضم القصف.
وبينما كانت تكافح للبقاء على قيد الحياة، وجدت نفسها أمام واقع جديد فرض عليها الاعتماد على الآخرين في تفاصيل حياتها اليومية، في ظل ظروف النزوح وتراجع الخدمات الطبية وصعوبة الوصول إلى العلاج والتأهيل والأجهزة التعويضية.
وتحوّل المستشفى الإندونيسي إلى محطة أخرى من محطات معاناتها، بعدما حوصرت داخله خلال العمليات العسكرية والقصف الذي طال محيطه، وانقطعت سبل الوصول إليها، ما دفع عائلتها إلى الاعتقاد بأنها استشهدت.
وبين الخوف على حياتها وفقدان أحد أبنائها، وجدت أبو وردة نفسها أمام تجربة مركبة جمعت بين الإصابة والنزوح والفقد، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من حياتها مع بتر قدمها.
وتقول أبو وردة لـ"شبكة مصدر الإخبارية" إن ما حدث لم يكن مجرد إصابة عابرة، فالبتر يحتاج إلى متابعة طبية وتأهيل مستمر، إضافة إلى توفير طرف صناعي مناسب ومستلزمات تساعدها على استعادة جزء من قدرتها على الحركة والاعتماد على نفسها، إلا أن ظروف القطاع خلال الحرب وما رافقها من نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية وصعوبة الوصول إلى مراكز التأهيل جعلت رحلة التعافي أكثر تعقيدًا.
ولا تنحصر معاناة مريم في الألم الجسدي، ففقدان أحد أبنائها أثناء محاولة إنقاذها ترك جرحًا نفسيًا يرافقها إلى جانب إصابتها، لتجد نفسها مضطرة إلى التعامل في الوقت ذاته مع تبعات البتر وآثار الفقد والحياة في ظروف قاسية لا توفر الحد الأدنى من مقومات التعافي.
وبالنسبة لمريم، لم يكن فقدان قدمها نهاية الحكاية، بل بداية لحياة مختلفة، تحمل فيها آثار الحرب في جسدها وذاكرتها، وتعيش مع فقدان ابنها الذي رحل وهو يحاول إنقاذها، فيما لا تزال تبحث عن فرصة لاستعادة شيء من استقلاليتها والقدرة على مواصلة حياتها رغم ما خلّفته الحرب من خسارات.
وبحسب وزارة الصحة في غزة، فإن الحرب خلّفت نحو 5 آلاف حالة بتر، إضافة إلى 300 إصابة عصبية ونخاعية، فيما تحتاج قرابة 10 آلاف حالة إلى برامج تأهيل مكثفة وطويلة الأمد لمساعدتها على استعادة أكبر قدر ممكن من قدرتها على الحركة والاعتماد على النفس.
وأوضحت الوزارة أن غالبية مراكز التأهيل المتخصصة في القطاع خرجت عن الخدمة، في وقت يعاني فيه ما تبقى من الخدمات من نقص حاد في المستلزمات الطبية والأجهزة المساعدة والأطراف الصناعية، ما يحد من قدرة المصابين على الحصول على الرعاية التي يحتاجون إليها، ويجعل رحلة التعافي أكثر صعوبة وطولًا.
ولا تعكس أرقام البتر والإصابات العصبية والنخاعية سوى جزء من حجم الاحتياج المتزايد في القطاع، إذ تشير تقديرات فريق إعادة التأهيل التابع لمجموعة الصحة في غزة، التي تقودها منظمة الصحة العالمية، إلى أن واحدًا من كل أربعة فلسطينيين أصيبوا في القطاع منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 يعيش اليوم مع إصابة يمكن أن تغيّر حياته بشكل دائم، من بينها حالات البتر وإصابات الحبل الشوكي وإصابات الدماغ الرضّية.
وبذلك، لا تنتهي معاناة المصابين في غزة بخروجهم من المستشفى أو نجاتهم من القصف، إذ تبدأ بعد الإصابة رحلة طويلة من العلاج والتأهيل والرعاية النفسية والاجتماعية، تتطلب أجهزة تعويضية وأطرافًا صناعية وجلسات علاج طبيعي ومتابعة طبية مستمرة.
ومع تراجع قدرة القطاع الصحي على توفير هذه الخدمات، يواجه آلاف المصابين خطر العيش مع إعاقات ومضاعفات كان يمكن الحد منها لو توفرت لهم الرعاية المتخصصة في الوقت المناسب.
شلل نصفي
في السابعة من عمرها، وجدت الطفلة ليان عسلية نفسها أمام حياة مختلفة تمامًا عن تلك التي كانت تتخيلها، بعدما أصيبت بشظية في ظهرها خلال الحرب، تسببت لها بشلل نصفي وحوّلت تفاصيل طفولتها اليومية من الحركة واللعب إلى حياة تعتمد فيها على كرسي متحرك.
لم تعد ليان قادرة على المشي كما كانت تفعل قبل إصابتها، وأصبح الكرسي المتحرك جزءًا أساسيًا من يومها، يرافقها في تنقلاتها ويحد من قدرتها على ممارسة كثير من الأنشطة التي اعتادت عليها كطفلة في هذا العمر وبينما تحاول التكيف مع واقعها الجديد، لا تزال تحتفظ بحلم بسيط وكبير في الوقت نفسه أن تمشي على قدميها مرة أخرى.
تحلم ليان بأن تستعيد قدرتها على الحركة، وأن تتمكن من النهوض والمشي من جديد، ليس فقط لتلعب وتتحرك بحرية، وإنما لتعود إلى حياتها الطبيعية وتذهب إلى المدرسة بمفردها، من دون أن تحتاج في كل خطوة إلى من يساعدها أو يدفع كرسيها المتحرك.
وتقول ليان لـ"مصدر الإخبارية" إن آثار الإصابة لا تتوقف عند الجانب الجسدي، تحتاج إلى بيئة آمنة وخدمات تأهيل متخصصة تساعدها على استعادة ما يمكن من قدراتها، إلى جانب الدعم النفسي الذي يعينها على التكيف مع التغيرات التي طرأت على حياتها في سن مبكرة.
ومع استمرار احتياجات الأطفال المصابين خلال الحرب، تصبح رحلة التعافي أكثر صعوبة في ظل نقص الخدمات الطبية والتأهيلية، والحاجة إلى جلسات علاج طبيعي منتظمة ومتابعة متخصصة وأجهزة مساعدة تتناسب مع نمو الطفل وتغير احتياجاته مع الوقت.
وبالنسبة لليان، لا يبدو حلم المشي مجرد أمنية طفولية، بل هدفًا تتطلع إليه كل يوم فهي تريد أن تتخلص من قيود الكرسي المتحرك، وأن تستعيد قدرتها على الحركة، وتفتح حقيبتها المدرسية وتذهب إلى التعلم بنفسها، وتعيش طفولتها كما يفعل أقرانها.
وأورد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" هذه التقديرات، موضحًا أن الأطفال يشكلون نحو 18% من حالات البتر، و31% من حالات إصابات الحبل الشوكي وإصابات الدماغ الرضّية، ما يضع آلاف الأطفال أمام احتياجات صحية وتأهيلية قد تمتد لسنوات.
ويقدّر فريق إعادة التأهيل أن نحو 2% من سكان قطاع غزة قبل الحرب يعيشون حاليًا مع إصابات شديدة مرتبطة بالحرب، في وقت يفتقر فيه القطاع إلى خدمات متخصصة لإعادة تأهيل الأطفال، الأمر الذي يزيد من صعوبة التعامل مع الإصابات التي تعرضوا لها في سن مبكرة، ويهدد بترك آثار طويلة الأمد على نموهم وحركتهم واستقلاليتهم.
ولا تقتصر الأزمة على نقص المراكز والخدمات، إذ يحذر فريق إعادة التأهيل من أن عدم توفر المعدات والمستلزمات الطبية، إلى جانب الضغط الكبير على خدمات التأهيل التي لا تزال تعمل، أدى إلى ظهور مضاعفات صحية كان من الممكن تفاديها في ظروف علاجية أفضل.
ومن بين هذه المضاعفات قرح الضغط المتقدمة، التي أصبحت تشغل نحو 30% من أسرّة المرضى الداخليين في خدمات التأهيل المتخصصة المتبقية، في مؤشر على حجم الاحتياجات الطبية التي تواجه المصابين، وعلى صعوبة حصولهم على الرعاية الوقائية والمتابعة المنتظمة.
سنوات مع المرض
تعيش ألماظة أبو هنية رحلة مرض قاسية لم تتوقف عند إصابتها بالسرطان، بعدما انقطع علاجها بسبب ظروف الحرب والحصار المفروض على قطاع غزة، لتتدهور حالتها الصحية تدريجيًا وتفقد القدرة على المشي، قبل أن تصبح طريحة الفراش، في وقت لا تزال فيه بحاجة إلى استكمال علاجها خارج القطاع.
كان المرض في بدايته يحتاج إلى متابعة طبية وعلاج منتظم، لكن الحرب والحصار قطعا الطريق أمام أبو هنية للوصول إلى العلاج الذي تحتاجه، وحالا دون استكمال مراحل علاجها في الوقت المناسب.
ومع مرور الوقت، بدأت حالتها الصحية بالتراجع، حتى فقدت قدرتها على الحركة، وأصبحت غير قادرة على مغادرة فراشها إلا بمساعدة الآخرين.
ولم تكن معاناة المرض وحدها ما واجهته أبو هنية، فقد عاشت خلال سنوات الحرب ظروف النزوح القاسية، متنقلة بين أماكن الإيواء بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، في ظل نقص الغذاء والمياه والخدمات الأساسية.
ومع تفاقم المرض، أصبحت تفاصيل النزوح أكثر قسوة عليها، إذ إن الحركة التي كانت صعبة بسبب تدهور صحتها تحولت إلى عبء أكبر، فيما لم يعد جسدها قادرًا على تحمل ظروف الحياة القاسية.
كما عاشت أبو هنية ظروفًا من الجوع ونقص الغذاء خلال فترة المجاعة التي ضربت القطاع، وهو ما زاد من ضعف جسدها في الوقت الذي كان يحتاج فيه إلى التغذية والرعاية الطبية لمواجهة المرض، وبين السرطان ونقص العلاج وسوء الظروف المعيشية، تراجعت قدرتها على الحركة تدريجيًا، حتى باتت طريحة الفراش وتعتمد على من حولها في احتياجاتها اليومية.
وخلال الفترة الماضية، وجّهت أبو هنية مناشدات متكررة للمساعدة في تمكينها من السفر إلى خارج قطاع غزة، أملاً في الوصول إلى مستشفى أو مركز طبي يمكنها من استكمال علاجها والحصول على الرعاية التي تحتاجها، إلا أن مناشداتها لم تجد الاستجابة التي كانت تنتظرها.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن نحو 1.7 مليون شخص ما زالوا يعيشون في حالة نزوح داخل قطاع غزة، معظمهم في ظروف إنسانية صعبة تتسم بالاكتظاظ ونقص المأوى المناسب ومحدودية الوصول إلى المياه وخدمات الصرف الصحي، ما يزيد من المخاطر الصحية ويهيئ لانتشار الأمراض.
وتزامن ذلك مع ارتفاع حالات الإسهال المائي الحاد واستمرار تلوث مصادر المياه، في وقت تواجه فيه الجهات الصحية قيودًا على إدخال معدات التشخيص والمستلزمات المخبرية، الأمر الذي يعيق قدرتها على رصد مخاطر تفشي الأمراض واكتشافها والاستجابة لها في مراحل مبكرة.
وبعد ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد الخسائر الصحية في قطاع غزة تقتصر على أعداد القتلى والجرحى، بل امتدت إلى آلاف المصابين الذين يعيشون مع إعاقات دائمة، بينهم مبتورو الأطراف والمصابون بإصابات في الحبل الشوكي والدماغ، ويحتاج كثير منهم إلى برامج تأهيل طويلة الأمد ورعاية طبية متخصصة.
كما يواجه مرضى آخرون تأخرًا في إجراء الفحوص أو الحصول على العلاج، نتيجة تضرر القطاع الصحي ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، فيما تواصل المرافق الصحية تسجيل حالات لأمراض معدية ترتبط إلى حد كبير بظروف النزوح والاكتظاظ وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي.
وتكشف هذه التداعيات عن وجه آخر للخسائر التي خلّفتها الحرب في غزة، خسائر لا تظهر مباشرة في أرقام الشهداء، لكنها تترك آثارًا ممتدة على صحة السكان وحياتهم اليومية.
فبعد ثلاث سنوات من الحرب، باتت الإعاقات والأمراض المعدية وتأخر العلاج ومشكلات المياه والصرف الصحي جزءًا من واقع صحي معقد يهدد حياة مئات الآلاف، ويجعل التعافي من آثار الحرب مسارًا طويلًا يتطلب سنوات من الرعاية وإعادة التأهيل وإعادة بناء النظام الصحي.







