بغداد - أكملت الولايات المتحدة انسحاب قواتها العسكرية من العراق، الأربعاء 30 سبتمبر/أيلول، مع مغادرة آخر الجنود الأميركيين قاعدة في إقليم كردستان، لتختتم بذلك مرحلة عسكرية امتدت لأكثر من عقدين منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
وجاء الانسحاب بموجب اتفاق بين بغداد وواشنطن، أنهى المهمة العسكرية التي قادها التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش»، بعد أن تراجعت العمليات القتالية الأميركية في العراق وتحولت مهمة القوات المتبقية إلى تقديم المشورة والتدريب والدعم في مجال مكافحة الإرهاب.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في البيت الأبيض، في يوليو/تموز، أن الولايات المتحدة لم تعد ترى حاجة إلى استمرار وجود عسكري أميركي كبير في العراق، فيما أكد الزيدي أن العلاقات بين البلدين ستنتقل إلى مرحلة تركز على التعاون الاقتصادي والاستثماري.
أكثر من 600 هجوم خلال الحرب مع إيران
ويأتي الانسحاب في ظل ظروف إقليمية وأمنية شديدة الحساسية، بعدما تعرضت المصالح والمنشآت الأميركية في العراق لأكثر من 600 هجوم خلال الحرب الأميركية مع إيران، وفق مسؤولين أميركيين. وشملت الهجمات منشآت دبلوماسية وعسكرية، بينها السفارة الأميركية في بغداد ومواقع في إقليم كردستان.
وأظهرت تقارير رسمية أميركية أن الهجمات شملت استخدام الطائرات المسيّرة، فيما تعرضت منشآت أميركية لأضرار خلال فترة التصعيد، ما دفع واشنطن إلى اتخاذ إجراءات لتقليص الوجود الدبلوماسي غير الضروري في العراق.
وتقول واشنطن إن الضغط على بغداد يتضمن اتخاذ خطوات للحد من نشاط الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، في ظل ما تصفه الإدارة الأميركية بوجود علاقات متشابكة بين بعض هذه الجماعات ومؤسسات الدولة العراقية.
ملف سلاح الفصائل
وتعتمد إدارة ترامب على حكومة الزيدي في دفع مسار حصر السلاح بيد الدولة، في وقت تواجه فيه بغداد تحدياً يتعلق بالفصائل المسلحة التي تمتلك قدرات عسكرية كبيرة.
وكان الزيدي قد تحدث عن ضرورة إنهاء وجود السلاح خارج إطار الدولة، فيما أشارت تقارير لاحقة إلى أن عدداً من الفصائل أبدى استعداداً لتسليم السلاح أو تنظيم وضعه، بينما رفضت جماعات أخرى التخلي عن قدراتها العسكرية.
وكان الموعد المستهدف لنزع سلاح الفصائل قد تعرض للتأجيل، وسط حديث عن تمديد المهلة إلى يونيو/حزيران 2027، في ظل استمرار الخلاف حول آليات حصر السلاح ودور «الحشد الشعبي» والفصائل المنضوية أو المرتبطة به.
مخاوف من فراغ أمني
ومع اكتمال الانسحاب، تتركز الأنظار على قدرة القوات والمؤسسات الأمنية العراقية على سد الفجوة التي خلفها خروج القوات الأميركية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع ومكافحة تنظيم «داعش».
ويقول محللون ومسؤولون أمنيون إن أحد مصادر القلق يتمثل في احتمال استفادة الفصائل المدعومة من إيران من تراجع الوجود العسكري الأميركي، بما قد يمنحها مساحة أكبر لتوسيع نفوذها السياسي والأمني داخل البلاد.
وفي المقابل، لا يعني الانسحاب نهاية التعاون بين بغداد وواشنطن؛ إذ يستمر البلدان في تطوير شراكة أمنية تركز على التدريب وتبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب، مع انتقال المسؤولية الأساسية عن الأمن داخل العراق إلى المؤسسات العراقية.
«داعش».. الخلايا النائمة
وتبرز عودة تنظيم «داعش» كأحد المخاطر التي يثيرها انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، رغم الهزيمة التي تعرض لها التنظيم وفقدانه الأراضي التي سيطر عليها في العراق وسوريا.
وكانت القوات الأميركية قد عادت إلى العراق عام 2014 لمساعدة القوات العراقية في الحرب ضد التنظيم، بعد انسحابها السابق في نهاية 2011. واستمرت العمليات العسكرية الكبرى ضد «داعش» حتى هزيمة التنظيم ميدانياً، قبل أن تتحول مهمة التحالف إلى دعم القوات العراقية في ملاحقة الخلايا المتبقية.
ويحذر مسؤولون أمنيون عراقيون، وفق تقارير صحفية، من أن التنظيم لا يزال يحتفظ بخلايا نائمة وشبكات سرية يمكن أن تستغل أي تراجع في القدرات الأمنية أو الاستخباراتية.
كما يبرز تحدي الدفاع الجوي، خصوصاً في إقليم كردستان، حيث تشير تقارير إلى أن القوات الكردية لا تمتلك منظومة دفاع جوي كافية للتعامل مع بعض التهديدات، ما يزيد المخاوف بشأن حماية المواقع العسكرية والبنية التحتية الحيوية.
واشنطن وبغداد أمام مرحلة جديدة
وبدأ الوجود العسكري الأميركي في العراق بغزو عام 2003، ثم شهد انسحاباً كاملاً في 2011، قبل أن تعود القوات الأميركية بعد أقل من ثلاث سنوات ضمن التحالف الدولي لمحاربة «داعش».
ومع مغادرة آخر القوات الأميركية في سبتمبر/أيلول 2026، تنتقل العلاقة بين بغداد وواشنطن إلى مرحلة جديدة، تركز بصورة أكبر على الاقتصاد والاستثمار والتعاون الأمني غير القتالي.
وفي الوقت نفسه، تواجه الحكومة العراقية اختباراً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على قدراتها في مواجهة خلايا «داعش»، وضمان بقاء السلاح تحت سلطة الدولة، في وقت تتنافس فيه قوى داخلية وإقليمية على النفوذ في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي.






