القدس - قبل نحو أربعة أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، يعتمد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على خطاب انتخابي يركز على الأمن القومي، مقدماً نفسه باعتباره الأقدر على حماية إسرائيل في منطقة تشهد صراعات وتوترات متواصلة.
وتقول وكالة «رويترز» إن هذه الاستراتيجية تتشابه مع الأساليب التي استخدمها نتنياهو في حملاته الانتخابية السابقة، إلا أن الانتخابات الحالية تجري في ظل ظروف مختلفة، بعد هجوم حركة «حماس» في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، الذي أدى إلى إخفاق أمني واسع وأصبح أحد أبرز الملفات التي تواجه سجل نتنياهو السياسي.
ويخوض «الليكود» الانتخابات تحت شعار «نتنياهو لا يستسلم»، بينما يركز رئيس الوزراء في خطاباته ومقاطع حملته على التهديدات الأمنية، ويهاجم منافسيه بوصفهم، بحسب خطابه الانتخابي، أقل استعداداً لمواجهة خصوم إسرائيل.
هجوم 7 أكتوبر يطارد الملف الأمني
وتعد انتخابات 27 أكتوبر أول انتخابات إسرائيلية منذ هجوم 7 أكتوبر 2023، وهو ما يجعل قضية المسؤولية عن الإخفاق الأمني والأداء خلال الحرب جزءاً أساسياً من النقاش الانتخابي.
وقال يوهانان بليسنر، رئيس «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية»، إن السؤال المطروح يتمثل في مدى قدرة نتنياهو على مواصلة تقديم نفسه باعتباره المرشح الأكثر خبرة في قضايا الأمن القومي والدبلوماسية، بعد الإخفاق الأمني الذي وقع خلال فترة رئاسته للحكومة.
وأضاف بليسنر أن نتنياهو خاض انتخابات عديدة من قبل، لكنه لم يواجه ناخبين بعد إخفاق أمني بهذا الحجم، معتبراً أن الانتخابات تمثل، من بين أمور أخرى، اختباراً لموقف الناخبين من مسؤولية رئيس الوزراء والحكومة عن ذلك الإخفاق وطريقة إدارة الحرب لاحقاً.
وفي الأسابيع الأخيرة، اضطر نتنياهو أيضاً إلى الرد على تقارير إعلامية تحدثت عن تحذيرات محتملة تلقاها من دول أو مسؤولين في المنطقة قبل هجوم 7 أكتوبر، وهي تقارير استغلها خصومه في انتقاداتهم لسجله الأمني. وقد نفى نتنياهو بعض هذه التقارير ورفض الاتهامات المتعلقة بتلقي تحذير لم يُنقل إلى الأجهزة الأمنية.
حرب غزة تضغط على صورة إسرائيل الخارجية
وأدى هجوم 7 أكتوبر إلى حرب امتدت إلى جبهات متعددة، بما فيها المواجهة مع «حزب الله» وإيران، فيما يواصل نتنياهو تقديم العمليات العسكرية باعتبارها غيرت موازين القوى في المنطقة.
لكن الحرب في غزة أدت في المقابل إلى تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل، في وقت تواجه فيه الحكومة الإسرائيلية ضغوطاً دبلوماسية متزايدة.
وخلال كلمة نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، غادر عشرات المندوبين القاعة مع بدء كلمته، في مشهد حظي بتغطية واسعة، بينما ركز نتنياهو على الدفاع عن سياسات إسرائيل ومهاجمة منتقديها.
كما لفتت زيارة نتنياهو الأخيرة إلى نيويورك الانتباه إلى عدم عقد لقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الزيارة، في وقت تحدثت فيه «رويترز» عن توتر متزايد في العلاقات الأميركية الإسرائيلية وتراجع مستوى الدعم لبعض سياسات الحكومة الإسرائيلية.
خطاب «نتنياهو يواجه العالم»
واصل نتنياهو استخدام قنواته الرقمية في مخاطبة الناخبين، إذ روج على قناته في «تلغرام» لكلمة الأمم المتحدة باعتبارها مواجهة مباشرة مع منتقدي إسرائيل.
ونشر قبل الكلمة مجموعة من المقاطع القصيرة، بينها مقطع قال فيه إنه فخور بتمثيل الإسرائيليين أمام العالم والدفاع عن إسرائيل في الأمم المتحدة، إضافة إلى مقتطفات من خطابه.
وجاءت هذه الحملة تحت رسالة «نتنياهو يواجه العالم»، في إطار تقديم رئيس الوزراء نفسه باعتباره السياسي القادر على مواجهة الضغوط الدولية بالتوازي مع التهديدات الأمنية الإقليمية.
آيزينكوت ينافس بخلفية عسكرية
في المقابل، يواجه نتنياهو منافساً رئيسياً يتمتع بخلفية أمنية قوية، هو غادي آيزينكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق وزعيم حزب «يشار» الوسطي.
ويحاول آيزينكوت تقديم نفسه كبديل سياسي معتمد على خبرته العسكرية، فيما يستخدم نتنياهو في حملته موضوع العلاقة المحتملة بين منافسه وأحزاب عربية للضغط عليه سياسياً.
وظهرت في منشورات لحزب «الليكود» صور لآيزينكوت إلى جانب قادة أحزاب عربية، بعضها مولد بالذكاء الاصطناعي، في محاولة لربط منافسه بفكرة تشكيل حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية.
وقال نتنياهو في مقطع انتخابي إن الانتخابات تتمحور حول الاختيار بين اليمين واليسار، وربط ذلك بمسألة إقامة دولة فلسطينية وطبيعة الدولة الإسرائيلية المقبلة.
استطلاعات دون أغلبية واضحة
ولا تقدم استطلاعات الرأي الحالية صورة محسومة بشأن شكل الحكومة المقبلة.
ففي استطلاع للقناة 13 نُشر في 23 سبتمبر، حصل المعسكر المناهض لنتنياهو على 52 مقعداً مقابل 51 للمعسكر المؤيد له، بينما حصلت الأحزاب العربية على 13 مقعداً، مع بقاء أربعة مقاعد لحزب لم يحسم انضمامه إلى أي من المعسكرين. وأظهر الاستطلاع أيضاً تقدم حزب «يشار» بزعامة آيزينكوت بـ22 مقعداً مقابل 18 لـ«الليكود».
وفي استطلاع آخر نُشر في 25 سبتمبر، حصل كل من المعسكر المؤيد لنتنياهو والمعسكر الصهيوني المعارض على 53 مقعداً، فيما ظل كلاهما دون عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة تحظى بأغلبية في الكنيست.
وتؤكد هذه النتائج أن استطلاعات الرأي تقيس اتجاهات الناخبين في لحظة محددة، ولا تحدد مسبقاً نتيجة الانتخابات أو قدرة أي معسكر على تشكيل الحكومة.
معركة على أصوات اليمين والوسط
يسعى نتنياهو كذلك إلى تحذير الناخبين من احتمال تشكيل حكومة تعتمد على أحزاب عربية، مستخدماً قضية الأمن والعلاقة مع الفلسطينيين في محاولة لحشد قاعدة اليمين.
في المقابل، يحاول آيزينكوت جذب ناخبين من الوسط واليمين الوسطي، مستفيداً من خلفيته العسكرية ومن تقديم حزبه باعتباره بديلاً عن الاستقطاب السياسي التقليدي.
وبحسب محللين نقلت عنهم رويترز، فإن الخلفية الأمنية لآيزينكوت تجعل من الصعب على نتنياهو حصر النقاش الانتخابي في سؤال من يمتلك الخبرة الأمنية الأكبر، بعدما أصبح منافسه نفسه مرتبطاً بشكل مباشر بالمؤسسة العسكرية.
انتخابات قد تنتهي إلى مشهد برلماني معقد
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تشير استطلاعات الرأي المتاحة إلى استمرار التنافس بين المعسكرين من دون ظهور طريق واضح إلى أغلبية برلمانية.
وفي النظام الإسرائيلي، يحتاج تشكيل الحكومة إلى دعم 61 عضواً على الأقل من أصل 120 في الكنيست، وإذا تعذر تشكيل حكومة تحظى بهذا الدعم، يمكن أن تدخل البلاد في مسار سياسي جديد ينتهي، وفق الظروف الدستورية والإجرائية، إلى انتخابات أخرى.
وبذلك، لا تقتصر معركة نتنياهو الانتخابية على محاولة استعادة صورته الأمنية بعد 7 أكتوبر، بل تمتد إلى منع تشكل أغلبية بديلة قادرة على إزاحته من رئاسة الحكومة، في وقت تشير فيه أحدث الاستطلاعات إلى استمرار حالة عدم الحسم بين المعسكرين.







