تل أبيب - يكشف فيلم وثائقي جديد بعنوان «Paging Hezbollah» تفاصيل إضافية عن العملية الإسرائيلية التي أدت إلى تفجير آلاف أجهزة «البيجر» التي كان يستخدمها عناصر «حزب الله» في لبنان في سبتمبر/أيلول 2024، مسلطاً الضوء على سنوات الإعداد والجهود التي بذلت لإبقاء العملية سرية حتى لحظة تنفيذها.
والفيلم من إخراج جاستن بولك، ويضم مقابلات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس السابق لجهاز الموساد دافيد برنياع، والقائد السابق للمنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي أوري غوردين، إلى جانب شخصيات ومسؤولين آخرين. ومن المقرر طرح الفيلم في دور العرض الأميركية في 30 أكتوبر/تشرين الأول.
وتأتي هذه التفاصيل بالتزامن مع رفع قيود الرقابة عن معلومات كانت محجوبة سابقاً، ما سمح بنشر روايات جديدة حول الأيام التي سبقت تنفيذ العملية.
شكوك داخل «حزب الله»
من أبرز التفاصيل التي ظهرت رواية وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت عن الفترة التي سبقت التفجيرات.
وقال غالانت، في مقابلة أجريت بعد إقالته من الحكومة وكانت أجزاء منها خاضعة للرقابة العسكرية، إن إسرائيل علمت خلال الأسبوع الأول من أغسطس/آب 2024 بأن أحد عناصر «حزب الله» بدأ يشك في أجهزة «البيجر» ويحاول التحقق مما إذا كانت قد تعرضت للتلاعب.
وبحسب روايته، تمكنت إسرائيل من تحديد الشخص الذي أثارت الأجهزة شكوكه، وقال إن إسرائيل «تخلصت منه» ومن شخص آخر تحت ذرائع مختلفة، في محاولة للحيلولة دون اتساع دائرة الشكوك داخل التنظيم. وترد هذه الرواية في تقارير إسرائيلية عن تصريحات غالانت التي سمحت الرقابة بنشرها لاحقاً.
وتشير الرواية الإسرائيلية إلى أن العملية لم تكن تعتمد فقط على إدخال أجهزة معدلة إلى شبكة اتصالات «حزب الله»، بل تطلبت أيضاً التعامل مع أي مؤشرات يمكن أن تقود إلى اكتشاف طبيعة الأجهزة.
أجهزة لفحص «البيجر»
مع تصاعد الشكوك، بدأت بعض أجهزة «البيجر» تخضع للفحص، وفق الرواية الإسرائيلية.
وقال غالانت إن إسرائيل علمت بوصول معدات متخصصة إلى لبنان بهدف فحص الأجهزة والتأكد مما إذا كانت تحتوي على متفجرات. وبحسب التقارير الإسرائيلية، أرسلت إيران جهازاً للتصوير بالأشعة السينية للمساعدة في عملية الفحص.
ووفق الرواية نفسها، قررت إسرائيل استهداف معدات الفحص، إلى جانب أهداف أخرى، بطريقة تهدف إلى عدم كشف الصلة بين الضربات والعملية السرية الخاصة بأجهزة الاتصال.
وكان نتنياهو قد كشف في وقت سابق عن جزء من هذه التفاصيل، قائلاً إن إسرائيل علمت خلال الأسبوع الثالث من سبتمبر/أيلول 2024 بأن «حزب الله» أرسل ثلاثة أجهزة «بيجر» إلى إيران لفحصها، مضيفاً أن إسرائيل استهدفت قبل ذلك جهاز فحص كان من المقرر إدخاله إلى لبنان، إلى جانب الشخص الذي كان سيشغله.
سباق مع الزمن
أصبحت مسألة توقيت التنفيذ أكثر حساسية مع ظهور مؤشرات على احتمال اكتشاف العملية، وفق الرواية الإسرائيلية.
فمن جهة، كانت إسرائيل تريد الاحتفاظ بالأجهزة المفخخة كورقة عملياتية وعدم كشف آلية اختراق سلسلة التوريد. ومن جهة أخرى، كان استمرار الانتظار يحمل خطر إخضاع الأجهزة لفحوص أكثر دقة تكشف وجود المتفجرات أو التلاعب بها.
وبحسب غالانت، دفعت هذه المخاوف إسرائيل في النهاية إلى تنفيذ العملية قبل أن يتمكن «حزب الله» من كشف حقيقتها بالكامل.
تفجير آلاف أجهزة «البيجر»
في 17 سبتمبر/أيلول 2024، انفجرت آلاف أجهزة «البيجر» التي كان يستخدمها عناصر «حزب الله» في لبنان، في عملية متزامنة أعقبها في اليوم التالي تفجير أجهزة اتصال لاسلكية.
وتشير التقارير إلى أن موجتي التفجير أسفرتا عن مقتل 39 شخصاً وإصابة أكثر من 3,400 آخرين، وفق أرقام أوردتها مصادر إسرائيلية وتقارير إعلامية.
وقال غالانت إن العملية أُعدت على مدى سنوات، وإن انفجار أجهزة «البيجر» تسبب في عدد كبير من الإصابات، خصوصاً في الأصابع والعينين والفخذين.
أما أجهزة الاتصال اللاسلكية التي فُجرت في اليوم التالي، فقال غالانت إنها كانت أكبر حجماً وتحتوي على كمية أكبر من المتفجرات، لكن معظمها كان موجوداً في مستودعات عند تفعيلها، ما حد من تأثيرها مقارنة بالموجة الأولى.
خطة بدأت قبل العملية بسنوات
وبحسب تصريحات غالانت التي سمحت الرقابة الإسرائيلية بنشرها، طُرحت في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2023 فكرة تنفيذ عملية تستهدف القوة القتالية لـ«حزب الله» باستخدام أجهزة الاتصال.
وقال غالانت إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ألغى الخطة في ذلك الوقت، قبل أن تعود العملية لاحقاً ضمن مسار مختلف. وتقدم هذه الرواية، وفق التقارير الإسرائيلية، مؤشراً على أن تفجير أجهزة الاتصال لم يكن قراراً اتُخذ في الأيام التي سبقت التنفيذ، بل جاء بعد سنوات من العمل والتخطيط.
«عملية واحدة» تحولت إلى سلسلة ضربات
وتكشف الرواية الإسرائيلية عن جانب آخر من الحفاظ على سرية العملية، تمثل في تجزئة التحركات المرتبطة بها بحيث لا تبدو كجزء من خطة واحدة.
وبحسب غالانت، لم تكن العملية تظهر في مراحلها الأخيرة باعتبارها هجوماً واحداً متكاملاً، بل جرى التعامل مع بعض التحركات والضربات باعتبارها أحداثاً منفصلة، بما يصعّب على «حزب الله» الربط بينها والوصول إلى حقيقة ما يجري.
ويقدم فيلم «Paging Hezbollah» هذه الروايات من منظور مسؤولين إسرائيليين شاركوا في سرد تفاصيل العملية، في وقت تستمر فيه الأسئلة حول كيفية اختراق سلسلة توريد أجهزة الاتصال وإدخال أجهزة مفخخة إلى شبكة «حزب الله» دون اكتشافها قبل موعد التفجير.
ومن المقرر أن يطرح الفيلم، الذي تبلغ مدته نحو 93 دقيقة، في دور العرض الأميركية في 30 أكتوبر/تشرين الأول، ليعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر العمليات السرية إثارة للجدل في الحرب بين إسرائيل و«حزب الله».







