وكالات - يحمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى نيويورك، خلال مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مجموعة من الملفات المرتبطة بالحرب في المنطقة وتداعياتها على أسواق الطاقة، في وقت تكثف فيه باريس تحركاتها الدبلوماسية سعياً إلى إعادة فتح مضيق هرمز وتأمين حركة الملاحة وإمدادات النفط والغاز.
وتكتسب زيارة ماكرون أهمية إضافية في ظل رئاسة فرنسا لمجموعة السبع هذا العام، بينما أعلنت باريس أيضاً عزمها الدعوة إلى اجتماع للمجموعة خلال الأسابيع المقبلة لبحث أزمة الطاقة، ومستويات المخزونات، وإمكانات الإنتاج والتصدير، إلى جانب خيارات الإفراج عن جزء من الاحتياطيات الاستراتيجية.
مضيق هرمز في صدارة التحرك الفرنسي
تسعى باريس إلى التعامل مع حرية الملاحة في مضيق هرمز باعتبارها ملفاً يمكن بحثه بصورة منفصلة عن القضايا الخلافية الأخرى بين واشنطن وطهران، بما فيها البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية والسياسة الإقليمية.
وتنطلق المقاربة الفرنسية من أن استمرار اضطراب الملاحة في أحد أهم ممرات نقل الطاقة عالمياً ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز وعلى اقتصادات الدول المستوردة، ما يجعل تأمين حركة السفن أولوية تتجاوز الخلافات السياسية الأوسع.
وكانت فرنسا قد شاركت في وقت سابق في مبادرات دولية ركزت على استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، مع طرح مهمة متعددة الجنسيات ذات طبيعة دفاعية لتأمين السفن التجارية عندما تسمح الظروف الأمنية بذلك. كما دعت باريس إلى العودة إلى حرية العبور وفق قواعد القانون الدولي وقانون البحار.
ترتيبات مؤقتة لحرية الملاحة
وبحسب التصور الذي تحمله باريس، يمكن العمل على ترتيب انتقالي يتيح استعادة الملاحة الآمنة في المضيق لفترة محددة، بالتوازي مع خطوات من الطرفين الأميركي والإيراني.
وتقوم الفكرة على تخفيف القيود البحرية الأميركية المفروضة على الموانئ الإيرانية، مقابل التزام إيراني واضح بعدم استهداف ناقلات النفط والسفن التجارية التي تعبر المضيق.
ويهدف هذا الطرح، وفق المقاربة الفرنسية، إلى خلق مساحة مؤقتة لخفض التصعيد العسكري والاقتصادي، وفتح المجال أمام معالجة أزمة الطاقة بصورة أكثر إلحاحاً، بدلاً من ربط استئناف الملاحة بكل الملفات العالقة بين واشنطن وطهران في وقت واحد.
وتؤكد باريس في الوقت نفسه أن إعادة فتح المضيق بصورة سلمية تمثل جزءاً من جهودها الدبلوماسية الحالية، وأنها تعمل بالتوازي على تأمين احتياجاتها من الطاقة والبحث عن طرق بديلة لتقليل الاعتماد على المضيق.
تحرك داخل مجموعة السبع
وتضع فرنسا ملف الطاقة أيضاً على جدول أعمال مجموعة السبع، إذ أعلن ماكرون في 18 سبتمبر/أيلول أنه سيدعو إلى اجتماع مخصص للأزمة خلال الأسابيع المقبلة.
وقال الرئيس الفرنسي إن الاجتماع سيبحث تعزيز التنسيق بين دول المجموعة بشأن مستويات المخزونات، وزيادة التعاون في مجالي التصدير والطاقة الإنتاجية، إلى جانب دراسة إمكانية الإفراج عن احتياطيات استراتيجية، على غرار إجراءات اتخذها الشركاء في وقت سابق.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة اضطرابات كبيرة بسبب تراجع حركة الشحن عبر مضيق هرمز، بينما تحاول الدول المستوردة تقليل تعرضها لتقلبات الإمدادات والأسعار.
وكانت دول مجموعة السبع قد أكدت في يونيو/حزيران أهمية حرية العبور في المضيق، كما أبدت استعداداً للمساهمة في مبادرات دفاعية متعددة الجنسيات لتسهيل عودة حركة الملاحة التجارية، إلى جانب تسريع تنويع طرق إمدادات النفط والغاز.
ضغوط الطاقة تقلق باريس
ولا تنفصل التحركات الفرنسية عن الضغوط المتزايدة التي تواجهها باريس داخلياً بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.
وقال ماكرون، عقب اجتماع مع قادة الأحزاب السياسية في فرنسا، إن ارتفاع أسعار الوقود وصل إلى مستويات قياسية وأصبح يفرض أعباء متزايدة على الأسر، مشيراً إلى أن بلاده تعمل على تأمين الإمدادات للأشهر المقبلة والبحث عن مسارات بديلة وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
وتسعى الحكومة الفرنسية، بالتوازي مع التحرك الدبلوماسي، إلى اتخاذ إجراءات لحماية سلاسل الإمداد وتعزيز قدرات الاستيراد والإنتاج ومواجهة انعكاسات ارتفاع تكاليف الطاقة على المواطنين والقطاعات الاقتصادية.
وتعكس هذه الضغوط أهمية ملف هرمز بالنسبة إلى باريس، ليس فقط من زاوية السياسة الخارجية، وإنما أيضاً بسبب تأثير اضطرابات الملاحة وأسعار النفط والغاز في الاقتصاد الفرنسي.
اتصالات بين واشنطن وطهران
وتأتي المبادرة الفرنسية في وقت لا تزال فيه الاتصالات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران تواجه صعوبات، مع استمرار الخلاف حول شروط إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.
وتقول طهران إن إعادة فتح المضيق مرتبطة بتنفيذ شروطها المتعلقة بوقف الحرب ورفع القيود المفروضة عليها والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة في الخارج، فيما لا تبدو واشنطن مستعدة، وفق المعطيات المتاحة، لقبول هذه الشروط بصيغتها الحالية.
وفي المقابل، أبدى ترمب استعداداً للقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في وقت أفادت تقارير بأن بزشكيان يتوجه إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات المنظمة الدولية.
وتبقى قضية الملاحة في مضيق هرمز من أبرز نقاط الخلاف، خصوصاً في ظل استمرار تأثير الأزمة على حركة ناقلات النفط وأسعار الخام عالمياً. وأفادت بيانات المنظمة البحرية الدولية بأن الوضع في المضيق لا يزال يثير مخاوف واسعة بشأن سلامة البحارة والسفن، مع تأثر نحو 20 ألف بحار وعامل في الموانئ والمنشآت البحرية بالاضطرابات في المنطقة.
نيويورك مساحة لاختبار المبادرة
ويراهن التحرك الفرنسي على الاجتماعات والاتصالات التي ستشهدها نيويورك خلال اجتماعات الجمعية العامة، ولا سيما اللقاءات المحتملة بين ماكرون وترمب وبزشكيان وعدد من القادة الخليجيين.
ولا تزال فرص نجاح أي ترتيب بشأن هرمز مرتبطة بمواقف واشنطن وطهران وقدرتهما على التوصل إلى تفاهمات متبادلة، في وقت تحاول فيه باريس إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة والدفع باتجاه فصل ملف حرية الملاحة عن بقية الملفات الأكثر تعقيداً.
ومع استمرار الضغوط على أسواق الطاقة، تراهن فرنسا على التحرك الدبلوماسي إلى جانب إجراءات تنسيق دول مجموعة السبع وتأمين مصادر بديلة للطاقة، في محاولة للحد من تداعيات الأزمة على الأسواق والاقتصادات خلال الأشهر المقبلة.







