وكالات - كشفت دراسة أثرية تفاصيل قناع ذهبي يعود إلى أكثر من ألفي عام، عُثر عليه في جزيرة جاوة الإندونيسية، ويُعتقد أنه صُمم لتغطية وجه المتوفى ضمن طقوس جنائزية ارتبطت بمعتقدات حول أرواح الموتى وعلاقتها بعالم الأحياء.
ويُحتفظ بالقناع ضمن مجموعة التحف القديمة في معرض جامعة ييل للفنون، ويُعد من الشواهد المهمة على تطور صناعة الذهب في جاوة خلال العصور القديمة، لما يجمعه من دقة في التنفيذ وتفاصيل فنية معقدة ودلالات مرتبطة بالمعتقدات الجنائزية.
قناع ذهبي بتفاصيل دقيقة
يبلغ طول القناع نحو 22.6 سنتيمتر، وعرضه حوالي 17 سنتيمترًا، بينما لا يتجاوز وزنه 60.9 غرام، رغم تغطيته مساحة كبيرة من الوجه.
ويضم القناع فتحات عند العينين والأنف والفم، إلى جانب شقوق دقيقة تحدد ملامح الحاجبين والرموش والأسنان، بما يمنحه مظهرًا قريبًا من الشكل البشري.
كما تظهر ثقوب منتظمة حول حافته، تشير إلى أنه كان مثبتًا في الأصل على جثمان أو تمثال جنائزي، وفق ما أورده عالم الآثار والمؤرخ جون ميكسيتش في كتابه «الذهب الجاوي القديم»، الصادر عن مطبعة جامعة ييل عام 2011.
كيف صُنع القناع؟
يرجح الباحثون أن الحرفي الذي صنع القناع استخدم ذهبًا عالي النقاء، ربما جرى الحصول عليه من جزيرتي سومطرة أو بورنيو المجاورتين، اللتين كانتا من مصادر الذهب المهمة في المنطقة.
وكان الذهب يُطرق بأدوات بسيطة حتى يتحول إلى صفيحة رقيقة بحجم الوجه تقريبًا، ثم تُشكل عليها الملامح باستخدام أدوات حادة لإبراز تفاصيل العينين والأنف والفم والحاجبين.
وتكشف هذه الطريقة عن مستوى متقدم من المهارة لدى صائغي الذهب في جاوة القديمة، رغم اعتمادهم على تقنيات وأدوات كانت أكثر بساطة مقارنة بأساليب صناعة الذهب التي ظهرت في فترات لاحقة.
ويرجح جون ميكسيتش أن تعود القطعة إلى فترة تمتد بين عام 500 قبل الميلاد و200 ميلادي، وهي مرحلة كان سكان جاوة خلالها يدفنون موتاهم مباشرة في الأرض، قبل انتشار حرق الجثامين بوصفه طقسًا جنائزيًا في مراحل لاحقة.
عادة جنائزية امتدت في آسيا
لم تكن تغطية وجوه الموتى بالذهب ممارسة معروفة في جاوة وحدها، إذ عثر الباحثون على دلائل مشابهة في الهند والصين ومناطق أخرى من جنوب شرق آسيا، ضمن طقوس دفن سبقت انتشار عادة حرق الجثامين.
ولا يزال غير محسوم ما إذا كانت هذه الممارسات انتقلت بين المجتمعات المتباعدة جغرافيًا عبر طرق التجارة القديمة، أم أن كل مجتمع طور هذه الطقوس بصورة مستقلة.
وتوجد أمثلة أقدم بكثير لأقنعة جنائزية في مناطق أخرى من العالم، من أبرزها القناع المعروف باسم «قناع أجاممنون» في اليونان، والذي يعود تاريخه إلى نحو 3500 عام.
لماذا غُطي وجه المتوفى؟
اختلف الباحثون حول الغرض الأساسي من هذه الأقنعة الذهبية، إذ يرى بعضهم أنها ربما صُممت لتقديم صورة واقعية للمتوفى والحفاظ على ملامحه، بينما يرى آخرون أنها قد تكون جسدت نسخة رمزية أو مثالية منه، تعكس مكانته الروحية والاجتماعية أكثر مما تعكس مظهره الحقيقي.
ويطرح الباحثون عدة تفسيرات محتملة لاستخدام الذهب في هذه الطقوس. أحدها يرتبط بالمكانة الخاصة التي كان يمنحها السكان لأرواح أسلافهم، إذ كان الذهب، بسبب ندرته وقيمته، مادة مناسبة لتكريم الموتى.
ويتمثل تفسير آخر في احتمال اقتصار استخدام هذه الأقنعة على أفراد من النخبة وأصحاب المكانة الاجتماعية المرتفعة، بحيث تعكس القطعة مكانة المتوفى حتى بعد موته.
أما التفسير الثالث، فيرتبط بمعتقدات حول طبيعة أرواح الموتى وقدرتها على العودة إلى عالم الأحياء وإلحاق الأذى بهم إذا لم تُتبع الطقوس المناسبة.
إرباك الأرواح ومنع عودتها
تشير بعض المعتقدات التي رصدها ميكسيتش في مناطق من الجزر الإندونيسية الشرقية إلى أن أرواح الموتى كان يُنظر إليها أحيانًا باعتبارها مصدر خطر محتمل على الأحياء.
وبحسب هذه المعتقدات، كانت بعض الجماعات تلجأ خلال مواكب الجنازات إلى تدوير الجثمان في محاولة لإرباك الروح وتضليلها، كما كان يوضع رأس المتوفى أحيانًا داخل إناء مغلق لمنع الروح من العثور على طريق العودة.
ويرجح الباحثون أن هذه الممارسات قد تساعد في تفسير ظهور أغطية الوجه الذهبية، باعتبارها وسيلة محتملة لحجب الملامح الحقيقية للمتوفى عن روحه ومنعها من التعرف إليه أو العودة إليه.
ومع ذلك، لا يوجد حسم نهائي للغرض الذي صُنع من أجله القناع تحديدًا، وتبقى التفسيرات المتعلقة بوظيفته الروحية والجنائزية ضمن نطاق الفرضيات التي يناقشها الباحثون.
قطعة نادرة في مجموعة ييل
ينتمي القناع إلى مجموعة تضم نحو 500 قطعة ذهبية من جاوة، تبرع بها جامعا التحف هانتر وفاليري طومسون إلى معرض جامعة ييل للفنون عام 2007.
وتوفر المجموعة للباحثين مادة مهمة لدراسة تطور تقنيات صياغة الذهب في جاوة القديمة، إلى جانب المعتقدات والطقوس الجنائزية التي رافقت المجتمعات في جنوب شرق آسيا خلال تلك الفترات.
ولا تقتصر أهمية القناع على قيمته بوصفه قطعة أثرية مصنوعة من الذهب، بل تمتد إلى ما يكشفه من تداخل بين المهارة الحرفية والمعتقدات الدينية والجنائزية لدى سكان جاوة قبل أكثر من ألفي عام.







