سماح شاهين- مصدر الإخبارية
في غزة، لا تنتهي معاناة النساء عند صوت القصف أو لحظة النزوح، فبعد أن يهدأ صوت الانفجارات، تبدأ معركة أخرى داخل الخيام والمنازل ومراكز الإيواء مع ماء لا يصلح للشرب، ونفايات تتكدس في محيط أماكن السكن، ومراحيض تفتقر إلى الخصوصية، وصرف صحي لم يعد قادرًا على استيعاب أعداد النازحين.
وسط هذه الظروف، تجد النساء أنفسهن في مواجهة أعباء يومية تمس تفاصيل حياتهن الأكثر خصوصية، من الحصول على المياه والاستحمام واستخدام دورات المياه، إلى رعاية الأطفال والحمل والرضاعة، فيما يزيد نقص الغذاء والرعاية الصحية من وطأة هذه الظروف على أجسادهن.
سمية محيسن إحدى نساء غزة، تعيش جانبًا من هذه المعاناة، وتروي كيف غيّرت الحرب والظروف البيئية المحيطة بها تفاصيل حياتها اليومية، وكيف أصبحت أبسط الاحتياجات، كالماء والنظافة والخصوصية، تحديات متكررة لا تجد لها حلًا سهلًا.
تقول سمية لـ"شبكة مصدر الإخبارية" إن الحرب غيّرت تفاصيل حياتها اليومية، وإن أشياء كانت تبدو بسيطة وطبيعية أصبحت اليوم احتياجات يصعب تأمينها فالماء والنظافة والخصوصية لم تعد أمورًا متاحة بسهولة، بل تحولت إلى تحديات يومية تفرض نفسها على النساء في أماكن النزوح.
وتوضح أن الحصول على المياه أصبح من أكثر الأمور التي تشغل النساء يوميًا، إذ تضطر العائلات إلى الانتظار والبحث عن مصادر للمياه، فيما لا تكفي الكميات المتاحة أحيانًا لتلبية مختلف الاحتياجات، من الشرب والطبخ إلى النظافة وغسل الأطفال والملابس.
وتشير إلى أن ظروف النظافة والصرف الصحي تزداد صعوبة في أماكن النزوح، حيث تتجمع أعداد كبيرة من الأشخاص في مساحات محدودة، مع قلة دورات المياه وصعوبة الوصول إليها.
وتشير إلى أن المرأة تحتاج إلى مكان آمن ونظيف تستطيع فيه الاهتمام بنفسها وأطفالها، وهو أمر لم يعد متاحًا بسهولة في ظل الظروف الحالية.
وتلفت محيسن إلى أن غياب الخصوصية يمثل جانبًا آخر من معاناة النساء، موضحة أن المرأة تحتاج إلى مساحة تشعر فيها بالأمان والستر أثناء تغيير ملابسها أو الاستحمام أو تلبية احتياجاتها الخاصة، لكن ضيق الخيام ومراكز الإيواء وعيش أعداد كبيرة من أفراد الأسرة في مساحة واحدة يجعل ذلك أكثر صعوبة.
وترى أن النساء يتحملن أعباء إضافية في ظل هذه الظروف، فإلى جانب مسؤولية رعاية الأطفال، تضطر المرأة إلى البحث عن الماء والطعام ومحاولة الحفاظ على نظافة المكان، بينما تحاول في الوقت ذاته الاهتمام بنفسها، مردفًة أن هذه المسؤوليات تصبح أكثر ثقلًا مع الخوف والتعب والضغط النفسي المستمر.
وتبين أن هذه الظروف تنعكس بصورة أكبر على الحوامل والمرضعات والفتيات، فالمرأة الحامل تحتاج إلى الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية، فيما تحتاج المرضعة إلى تغذية ومياه كافية، بينما تواجه الفتيات احتياجات خاصة تتطلب قدرًا من الخصوصية والنظافة، وهي أمور يصعب توفيرها في ظروف النزوح.
وتردف محيسن أن تفاصيل الحياة اليومية نفسها أصبحت عالقة في ذاكرتها، مشيرة إلى أن المرأة قد تقضي يومها في محاولة تأمين احتياجات بسيطة، مثل الحصول على المياه، والعثور على مكان مناسب لقضاء الحاجة، وتأمين الطعام أو تنظيف الأطفال.
وتشير إلى أن أمورًا كانت تُنجز بشكل طبيعي قبل الحرب أصبحت اليوم تحتاج إلى وقت وجهد وتحمّل كبير.
وتؤكد أن معاناة نساء غزة لا تختصرها صور القصف والدمار، فخلف تلك الصور حياة يومية كاملة تعيشها النساء في ظل نقص الاحتياجات الأساسية داعيًة إلى النظر إلى احتياجات النساء باعتبارها حقوقًا أساسية، تشمل المياه.
إقامة وسط النفايات
وتعيش نهى حرز الله بالقرب من ملعب اليرموك في مدينة غزة، وسط أكوام النفايات المتراكمة حول مكان إقامتها، في ظروف تقول إنها تزيد من معاناتها اليومية، خاصة مع معاناتها الصحية المرتبطة بنقص الأوكسجين.
وتضيف نهى لـ"شبكة مصدر الإخبارية" أن النفايات أصبحت جزءًا من المشهد المحيط بمكان إقامتها، وإنها تضطر إلى استنشاق الروائح المنبعثة منها بشكل مستمر، الأمر الذي يزيد من قلقها على صحتها، لا سيما أنها تعاني أصلًا من مشكلة في التنفس ونقص الأوكسجين.
وتبيّن أن وجودها في هذه البيئة يصبح أكثر صعوبة مع وجود طفلتها الرضيعة، التي تحتاج إلى مكان نظيف وآمن بعيدًا عن مصادر التلوث. وبين مسؤوليات رعاية طفلتها ومحاولة الحفاظ على صحتها، تجد نهى نفسها أمام ظروف معيشية قاسية لا تملك القدرة على تغييرها.
وتوضح أن معاناتها لا تتعلق فقط بالنفايات المتراكمة، وإنما بما تفرضه هذه الظروف من مخاوف صحية مستمرة، في ظل صعوبة الحصول على بيئة مناسبة للعيش، خصوصًا للنساء والأطفال.
فقدان أبسط أنواع النظافة
في محيط بركة الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، تعيش رقية أحمد وسط مشهد يثقل يومها بالمخاوف الصحية، حيث تحاصر المياه الملوثة ومياه الصرف الصحي أماكن السكن، وتفقد البيئة المحيطة أبسط شروط النظافة والأمان.
تقول رقية لـ"مصدر الإخبارية" إن المياه المتجمعة بالقرب من مكان إقامتها أصبحت مصدر قلق دائم، خصوصًا مع انتشار الروائح الكريهة وتداخل مياه الصرف الصحي مع البيئة المحيطة، ما يجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة، ويثير مخاوفها من الأمراض والتلوث.
وتوضح أن النساء يتحملن جانبًا كبيرًا من هذه المعاناة، إذ لا تقتصر احتياجاتهن على توفير مياه للاستخدام اليومي، بل يحتجن أيضًا إلى أماكن نظيفة وآمنة للاستحمام وقضاء احتياجاتهن الشخصية، وهو ما يصبح بالغ الصعوبة في ظل تدهور خدمات الصرف الصحي.
وتؤكد رقية أن العيش بالقرب من المياه الملوثة يحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى عبء مستمر، فيما تبقى الأسر مضطرة للتكيف مع واقع بيئي قاسٍ، في وقت تحتاج فيه النساء والأطفال إلى بيئة أكثر أمانًا وحماية من مخاطر التلوث.







