سماح شاهين- مصدر الإخبارية
لا تشبه العودة إلى المدارس في قطاع غزة أي عودة مدرسية عرفها الأطفال من قبل فلا أجراس تُقرع في مدارس مكتملة، ولا ساحات تستقبل خطواتهم الأولى، ولا حقائب جديدة تملأ المقاعد كما اعتادوا.
هنا، تبدأ الحكاية من الخيام ومراكز الإيواء والصفوف المؤقتة، حيث يحاول أطفال أنهكتهم الحرب أن يستعيدوا شيئًا من حياتهم عبر كتاب ودفتر وحصة دراسية.
وفي الوقت الذي ينتظم فيه العام الدراسي في الضفة الغربية والقدس، يستقبل طلبة غزة عامهم الدراسي الجديد في 19 سبتمبر/ أيلول الجاري، وسط مدارس مدمرة أو متضررة، وأسر تكافح لتوفير أبسط المستلزمات التعليمية في ظل أوضاع معيشية قاسية.
وبين أنقاض ما كان يومًا مدارسهم، تحاول العائلات والمعلمون والطلبة انتزاع مساحة صغيرة للتعلم، وكأن العودة إلى المدرسة أصبحت في حد ذاتها رحلة شاقة لاستعادة جزء من طفولة أضاعتها الحرب.
مستلزمات أصبحت عبء
تتجسد قسوة العودة إلى المدارس في غزة حين تجد الأمهات أنفسهن عاجزات أمام احتياجات تبدو بسيطة، لكنها تحولت في ظل الظروف المعيشية الصعبة إلى أعباء تفوق قدرتهن على الاحتمال.
فبين دفاتر وأقلام وحقائب وملابس مدرسية، تتراكم قائمة طويلة من المستلزمات التي يحتاجها الأطفال لبدء عامهم الدراسي، بينما تقف الأسر أمام واقع اقتصادي لا يتيح لها توفيرها بسهولة.
ومن بين هذه الأسر، رانيا حمدان، أم لثلاثة أطفال، أكبرهم يدرس في الصف السادس، تجد نفسها أمام مسؤولية تأمين مستلزمات ثلاثة مقاعد دراسية في وقت واحد.
تقول حمدان لـ"شبكة مصدر الإخبارية" إنه بالرغم من بدء العام الدراسي، لم تتمكن رانيا من شراء احتياجات أطفالها المدرسية، لتتحول فرحة العودة إلى المدرسة بالنسبة لها إلى مصدر جديد للقلق، في ظل صعوبة تأمين المستلزمات الأساسية التي يحتاجها أبناؤها للانخراط في الدراسة.
ولا تقف معاناة رانيا عند حدود توفير الدفاتر والأقلام أو الحقيبة المدرسية، بل تمتد إلى شعور ثقيل بالعجز أمام أطفال ينتظرون بداية عامهم الدراسي مثل بقية أقرانهم.
فالأم التي اعتادت أن ترى أبناءها يستعدون للمدرسة بملابسهم وحقائبهم، تجد نفسها اليوم تحاول ترتيب الأولويات وفق ما تسمح به قدرتها، فيما تبقى احتياجات أخرى مؤجلة إلى حين توفر المال.
وفي غزة، لم تعد العودة إلى المدرسة مجرد موعد في التقويم الدراسي، بل أصبحت اختبارًا جديدًا لقدرة الأسر على توفير الحد الأدنى من احتياجات أطفالها، في وقت تحاول فيه العائلات الحفاظ على حق أبنائها في التعلم، رغم ما فرضته الحرب والظروف المعيشية القاسية من أعباء إضافية على تفاصيل حياتهم اليومية.
اختلطت الفرحة بالحرمان
بالنسبة للأب أسامة مقداد، لم تكن العودة إلى المدرسة هذا العام مناسبة عادية ينتظرها أطفاله، بل لحظة تختلط فيها فرحة استئناف التعليم بمرارة ما فرضته سنوات الحرب والحرمان.
يقول مقداد لـ"شبكة مصدر الإخبارية" إن الأطفال، في الظروف الطبيعية، كانوا يستقبلون عامهم الدراسي بملابس جديدة وحقائب مرتبة ودفاتر وأقلام، ويشعرون بالحماس وهم يستعدون للعودة إلى مقاعد الدراسة، لكن المشهد هذه المرة مختلف تمامًا.
أسامة، وهو أب لطفلين، يروي أن أطفاله يعودون إلى التعليم بإمكانات محدودة، حتى إن بعض مستلزماتهم جرى تدبيرها بطرق أثقلت كاهل الأسرة، فيما اضطر إلى الاستدانة لتوفير الدفاتر وبعض الاحتياجات الأساسية، أملاً في ألا يحرم أطفاله مرة أخرى من حقهم في التعليم.
ويؤكد أن ما يزيد قسوة المشهد أن أطفاله حُرموا من الدراسة لنحو ثلاث سنوات، ولذلك كان يأمل أن تكون عودتهم إلى المدرسة بداية مختلفة، تحمل شيئًا من الفرح والاستقرار الذي افتقدوه طوال هذه السنوات.
ويجد نفسه اليوم عاجزًا عن توفير أبسط تفاصيل العودة المدرسية التي اعتاد الأطفال انتظارها، من حقيبة وقرطاسية وملابس مدرسية.
ويشير أسامة إلى أن أطفاله يذهبون إلى المدرسة بما توفر، وفي أحيان كثيرة باستخدام الأكياس بدل الحقائب المدرسية، في مشهد يعكس حجم الضغوط التي تعيشها الأسر، ويكشف أن استئناف التعليم لا يعني انتهاء المعاناة، بل يفتح أمام العائلات قائمة جديدة من الاحتياجات التي يصعب توفيرها.
ويناشد أسامة الجهات المعنية والمؤسسات الداعمة الالتفات إلى احتياجات الأطفال التعليمية، وتوفير الحقائب والدفاتر والأقلام والقرطاسية لهم، حتى يتمكنوا من العودة إلى مقاعد الدراسة بكرامة، بعد سنوات طويلة من الانقطاع والحرمان.
نحو نصف مليون طالب
أكدت وزارة التربية والتعليم العالي أن العام الدراسي 2026/2027 ينطلق في ظل ظروف استثنائية وصعبة فرضتها الحرب، وما خلفته من أضرار واسعة طالت الطلبة والمعلمين والعاملين في القطاع التعليمي، إلى جانب تدمير وتضرر عدد كبير من المدارس والمنشآت والمرافق التعليمية.
وقالت الوزارة، في بيان بمناسبة انطلاق العام الدراسي الجديد، إن آلاف الطلبة والعاملين في القطاع التعليمي يواصلون حياتهم في الخيام ومراكز الإيواء والبيئات التعليمية المؤقتة، وسط نقص حاد في الإمكانات وغياب مقومات البيئة التعليمية الآمنة والمناسبة، إلى جانب تحديات نفسية واجتماعية ومادية تؤثر في العملية التعليمية.
واستذكرت الوزارة شهداء الأسرة التعليمية من الطلبة والمعلمين والعاملين في القطاع الذين ارتقوا خلال الحرب، وقدمت تعازيها إلى ذويهم، متمنية الشفاء للجرحى والمصابين، كما جددت تضامنها مع الأسرى والمعتقلين من الطلبة والعاملين، مطالبة بعودتهم إلى أسرهم ومقاعدهم الدراسية وأماكن عملهم.
ووجهت الوزارة التحية إلى المعلمين والمعلمات والعاملين في القطاع التعليمي، الذين يواصلون أداء رسالتهم رغم الظروف القاسية ونقص الإمكانات وعدم استقرار البيئة التعليمية، مؤكدة أن حق الأطفال في التعليم يمثل أولوية، وأن استمرار العملية التعليمية في هذه الظروف يتطلب جهودًا استثنائية.
وأشارت إلى أنها، بالتعاون مع شركائها، تمكنت من إعادة نحو نصف مليون طالب وطالبة إلى التعليم، والعمل على توفير مساحات تعليمية بديلة في ظل الدمار الواسع الذي طال المنشآت التعليمية، إلى جانب تجهيز عشرات المدارس الميدانية وتوفير ما أمكن من الأثاث والمستلزمات التعليمية والإدارية.
وأكدت الوزارة أن هذه الإجراءات تمثل استجابة طارئة للظروف الراهنة، وليست حلًا نهائيًا للأزمة التعليمية، مشددة على أن الهدف الأساسي يتمثل في استعادة التعليم النظامي والوجاهي داخل مدارس آمنة ومهيأة، وإعادة تأهيل وإعمار المؤسسات التعليمية المتضررة والمدمرة.
وأعربت عن تقديرها للشركاء والداعمين الذين ساهموا في إعادة الطلبة إلى التعليم وتوفير المستلزمات التعليمية واللوجستية ودعم المدارس والمبادرات الطارئة، مؤكدة أهمية استمرار التنسيق والشراكة لحماية الحق في التعليم وتعزيز قدرة القطاع على التعافي.
ودعت الوزارة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" إلى اتخاذ خطوات أوسع نحو استعادة التعليم الوجاهي الرسمي، وتوفير المتطلبات اللازمة لعودة الطلبة إلى مدارسها، بما يضمن استمرار التعليم النظامي والحد من آثار الانقطاع التعليمي.
وطالبت المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية والجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها تجاه الطلبة والنازحين والعاملين في القطاع التعليمي، والعمل على إيجاد حلول للنازحين المقيمين في المدارس، بما يضمن لهم المأوى الآمن ويحافظ في الوقت ذاته على قدرة المدارس على استعادة دورها التعليمي بعد تنفيذ أعمال التنظيف والصيانة والتأهيل.
وشددت الوزارة على أن حماية التعليم واستمراره مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود المؤسسات الوطنية والدولية والمانحين وشركاء التعليم، وإدراج القطاع التعليمي ضمن أولويات الاستجابة الإنسانية والتعافي المبكر وإعادة الإعمار.
وطالبت بتوفير تمويل عاجل ومستدام لقطاع التعليم، وتأمين الأثاث والمستلزمات والمواد التعليمية، ودعم برامج التعلم التعويضي ومعالجة الفاقد التعليمي، إلى جانب توفير الدعم النفسي والاجتماعي للطلبة والعاملين، باعتبارها احتياجات أساسية لاستعادة العملية التعليمية.
وأكدت الوزارة، مع بداية العام الدراسي الجديد، مواصلة جهودها لإبقاء التعليم مستمرًا وتوسيع الوصول إليه، وحماية الطلبة والعاملين، واستعادة المدارس والمؤسسات التعليمية لدورها، وصولًا إلى مرحلة التعافي وإعادة بناء النظام التعليمي.
وجددت التزامها بالعمل من أجل ضمان حق كل طالب في التعليم، والحفاظ على المدرسة باعتبارها مساحة للتعلم والأمان والأمل وبناء المستقبل.






