وكالات - لا يتعامل الجميع مع القهوة والكافيين بالطريقة نفسها؛ فبينما يشعر بعض الأشخاص باليقظة والنشاط سريعًا بعد تناول كوب من القهوة، يستطيع آخرون شرب القهوة أو مشروبات الطاقة في ساعات المساء دون أن يواجهوا صعوبة واضحة في النوم بعد ذلك بوقت قصير.
ويعود هذا الاختلاف إلى مجموعة من العوامل المتعلقة بطريقة تعامل الجسم مع الكافيين، ومدى اعتياده عليه، إلى جانب عوامل أخرى يمكن أن تؤثر في سرعة التخلص منه.
كيف يؤثر الكافيين على الجسم؟
يُعد الكافيين من أكثر المواد تأثيرًا في الجهاز العصبي استخدامًا حول العالم، لكنه لا يمنح الجسم طاقة إضافية بالمعنى الفسيولوجي المباشر، وإنما يقلل الإحساس بالتعب والنعاس.
ويحدث ذلك من خلال تأثيره في مادة «الأدينوزين»، وهي مادة تتراكم في الدماغ على مدار اليوم وتؤدي دورًا في الشعور بالنعاس. وعندما يعرقل الكافيين تأثير الأدينوزين، يشعر الشخص بمزيد من اليقظة والتركيز، ويتأخر لديه الإحساس بالتعب.
لكن زيادة استهلاك الكافيين قد تؤدي لدى بعض الأشخاص إلى أعراض مثل الصداع والارتجاف وتسارع ضربات القلب واضطرابات النوم.
لماذا يختلف تأثير الكافيين من شخص لآخر؟
يعود اختلاف تأثير الكافيين بدرجة كبيرة إلى الطريقة التي يتعامل بها الجسم معه، ولا سيما سرعة امتصاصه واستقلابه والتخلص منه.
وبعد تناول القهوة، ينتقل الكافيين إلى مجرى الدم ثم يصل إلى الدماغ بسرعة، بالتزامن مع بدء الكبد في تفكيكه عبر عمليات الاستقلاب، قبل التخلص منه في نهاية المطاف عن طريق البول.
وتوضح الدكتورة مارلين كورنيليس، الأستاذة المشاركة في علوم التغذية بجامعة نورث وسترن في شيكاغو، أن التخلص من الكافيين يمكن أن يستغرق بين 6 و20 ساعة، تبعًا لطبيعة جسم كل شخص.
وتشير إلى أن الشخص قد لا يشعر بتأثير الكوب الأول من القهوة بصورة واضحة، لكن الكافيين يبقى في الجسم لعدة ساعات، وبالتالي فإن تناول كوب آخر بعد ساعتين أو ثلاث ساعات قد يؤدي إلى زيادة تأثيره وظهور أعراض مثل القلق لدى بعض الأشخاص.
الجينات تتحكم في سرعة استقلاب الكافيين
تلعب العوامل الوراثية دورًا في تحديد سرعة معالجة الكافيين داخل الجسم، ومن أبرزها جين «CYP1A2»، الذي يرتبط بالإنزيم المسؤول عن استقلاب الكافيين في الكبد.
ولا تتوقف سرعة هذه العملية على العوامل الوراثية وحدها، إذ يمكن أن تتأثر أيضًا بالتدخين وبعض الأدوية والحمل، وهو ما يفسر جزئيًا اختلاف تأثير الكافيين بين الأشخاص.
التدخين والأدوية والحمل
يمكن للتدخين أن يسرّع قدرة الكبد على تفكيك الكافيين بدرجة كبيرة، ما قد يقلل مدة بقائه في الجسم.
في المقابل، يمكن لبعض الأدوية، ومنها بعض المضادات الحيوية وحبوب منع الحمل وأدوية أخرى، أن تبطئ عملية استقلاب الكافيين، وبالتالي تزيد المدة التي يبقى خلالها في الجسم.
كما تتباطأ عملية التخلص من الكافيين أثناء الحمل نتيجة التغيرات الهرمونية. ولهذا توصي هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية بألا تتجاوز المرأة الحامل 200 ملليغرام من الكافيين يوميًا، أي ما يعادل تقريبًا كوبين من القهوة المفلترة، بسبب ارتباط الاستهلاك الأعلى من ذلك بانخفاض وزن المولود وبعض المضاعفات الأخرى.
اعتياد الجسم يقلل تأثير الكافيين
لا ترتبط حساسية الشخص للكافيين بسرعة استقلابه فقط، إذ تلعب العادة دورًا مهمًا أيضًا.
فالأشخاص الذين يتناولون القهوة بانتظام قد يصبحون أقل حساسية لتأثير الكافيين مع مرور الوقت، نتيجة تكيف الجسم والدماغ مع استهلاكه المتكرر.
وعند التوقف عن تناول الكافيين لعدة أسابيع، تبدأ هذه التكيفات في التراجع، ولذلك قد يكون كوب القهوة الأول بعد العودة إلى تناولها أكثر تأثيرًا، وقد يتسبب في شعور أكبر بالنشاط أو التوتر.
هل يؤثر الكافيين على النوم حتى لدى من ينامون بسهولة؟
يوصي خبراء النوم عمومًا بتجنب تناول الكافيين قبل موعد النوم بست ساعات على الأقل، لأن تأثيره قد يمتد إلى ما بعد لحظة الشعور باليقظة.
وتوضح الدكتورة ليندسي براونينغ، المتخصصة في علم النفس وطب النوم، أن الكافيين لا يمكن أن يؤثر فقط في القدرة على الخلود إلى النوم، بل قد يؤثر أيضًا في جودة النوم.
وتنصح براونينغ بتجنب الكافيين بعد الساعة الثانية ظهرًا تقريبًا بالنسبة لمن يخططون للنوم عند العاشرة مساءً.
لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن تطبيق قاعدة واحدة على الجميع ليس مناسبًا بالضرورة، نظرًا لاختلاف استجابة الأجسام للكافيين والعوامل التي تحدد سرعة التخلص منه.
الاعتدال يبقى العامل الأهم
ويصف البروفيسور بيتر روجرز، الأستاذ الفخري في علوم التغذية بجامعة بريستول، الكافيين بأنه آمن نسبيًا عند استهلاكه بكميات معتدلة.
ويشير إلى أن الإفراط في تناوله قد يؤدي إلى الشعور بالتوتر وعدم الارتياح، وهي أعراض قد تكون بمثابة إشارة إلى الحاجة لتقليل الاستهلاك.
وفي المقابل، قد تحمل القهوة أخبارًا جيدة لعشاقها؛ إذ تشير دراسات إلى أن تناولها باعتدال يرتبط بانخفاض مخاطر الإصابة بعدد من الأمراض الرئيسية، كما قد يرتبط بعمر أطول قليلًا مقارنة بعدم تناولها.
وبذلك، لا توجد استجابة واحدة للكافيين تنطبق على الجميع، فبين سرعة الاستقلاب والعوامل الوراثية والعادات اليومية والحالة الصحية، تختلف قدرة الجسم على التعامل معه، كما يختلف تأثير توقيت تناوله في النوم من شخص إلى آخر.







