عزات جمال- مصدر الإخبارية
عرض في العاشر من سبتمبر، في مهرجان البندقية السينمائي، الفيلم الوثائقي «نازا»، والذي أعدته صحيفة «ذا غارديان» البريطانية وأخرجه الفائزان بجائزة الأوسكار يوفال أبراهام وراشيل زور، وهما مخرجان ينتميان لكيان الاحتلال الإسرائيلي. و«نازا» هو اختصار عسكري إسرائيلي يشير إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم باعتبارهم «أضرارًا جانبية» في عملية الاستهداف، ففي إحدى روايات الفيلم ذُكر قبول مقتل نحو 500 مدني مقابل استهداف شخص واحد وفق «الجارديان».
وقد استغرق القائمون على العمل الوثائقي ثلاث سنوات لجمع الشهادات التي تم بثها في 80 دقيقة، بعد معالجة الصور وإخفاء هوية 24 ضابطًا وجنديًا من الذين نفذوا هذه الاستهدافات.
ويعد الفيلم التجربة الأولى التي يعترف فيها هذا العدد من الضباط والجنود الذين يعملون في وحدات الاستخبارات العسكرية وينفذون المهام القتالية، وقد شاركوا بالفعل في عمليات مراقبة الفلسطينيين وقتلهم عن بُعد عبر برامج حديثة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، أو ما كشفه التوثيق بوصفه «مذبحة على نطاق صناعي»، وفق شهادات متواترة وثقها التوثيق.
لقد أثبت الفيلم بأن ضباط الاستخبارات العسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي كانوا يعرفون أدق التفاصيل عما يحدث في البيوت المدنية، فقد تمكنوا من سماع أصوات الناس، ولربما مشاهدتهم في لحظاتهم الأخيرة قبيل مقتلهم، وقد كانوا يعرفون بأن هذه الاستهدافات ستوقع الكثير من الضحايا المدنيين، شهداء وجرحى، ومع ذلك أعطوا الأوامر لتنفيذ هذه الغارات الجوية المميتة على البنايات والمنازل السكنية، متذرعين بأن هذه الأعداد من الضحايا هي أثمان عرضية وفق مبدأ «نازا»!
لا أعلم بماذا كان يفكر هؤلاء الضباط والجنود وهم يشاهدون الأمهات والأطفال في لحظاتهم الأخيرة؟ أو هل رفَّ لهم جفن وهم يستعدون لإطلاق أطنان من القنابل على الأحياء السكنية أو المخيمات المدنية؟
لكن مهلاً، هل كان العالم يجهل ما يحدث في غزة؟ ألم يقتل الاحتلال الإسرائيلي ما يزيد على 260 صحفيًا ومصورًا كانوا يحاولون نقل الصورة وتغطية الأحداث؟
لماذا إذًا يصفقون لهذا الاكتشاف! ولمدة 25 دقيقة؟
وبالعودة للفيلم الوثائقي، وبعيدًا عن محاولة تصنيفه فنيًا أو مهنيًا؛ لكن لم يكن «نازا» أول الاعترافات والتوثيقات التي كشفتها نتائج التحقيقات المتعاقبة، والتي تناولت جرائم الإبادة الجماعية والتجويع والتطهير العرقي التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة من جوانب عديدة، وأثبتت من خلالها أكثر من هيئة دولية ومنظمة حقوقية تعمد الاحتلال الإسرائيلي توظيف التكنولوجيا الحديثة في العمليات العسكرية في قطاع غزة، وما لذلك من تداعيات تتمثل بارتفاع مستوى الخطر على المدنيين، بسبب إرجاع الأمر والقرار في القصف والاستهداف للآلات والأنظمة لتحدد الأهداف المحتملة وتتعامل معها غير مكترثة للنتائج. ومن هذه الأنظمة والقوانين ما جاء ذكره في شهادات سابقة وموثقة، وقد كان منها:
١. نظام «لافندر»، وهو الذي صنّف عشرات الآلاف من الفلسطينيين كأهداف محتملة، وفق ما نشر في تحقيق صحفي نشرته +972 Magazine في أبريل/نيسان 2024، استنادًا إلى شهادات مصادر استخباراتية إسرائيلية، تحدث عن استخدام نظام الذكاء الاصطناعي «Lavender» لتحديد نحو 37 ألف فلسطيني باعتبارهم مشتبهًا بانتمائهم إلى حماس أو الجهاد الإسلامي، بما جعلهم أهدافًا محتملة للاغتيال. وهذا يتقاطع مباشرة مع محور الفيلم المتعلق باستخدام أنظمة آلية/مدعومة بالذكاء الاصطناعي في إنتاج الأهداف.
٢. «لافندر» لم يكن مجرد أداة تحليل، بحسب الشهادات التي نُشرت.
التقارير التي استندت إلى شهادات مصادر من الاستخبارات الإسرائيلية تحدثت عن إعطاء الأشخاص درجات احتمالية، ثم استخدام مستوى معين من الدرجة لإدراج الشخص ضمن قائمة الأهداف، مع الإقرار بوجود أخطاء في التعرف على الأهداف، وفق ما جاء في صحيفة الجارديان.
وهذه نقطة مهمة؛ لأنها تعزز فكرة الفيلم عن انتقال جزء من عملية اتخاذ القرار من التقدير البشري المباشر إلى منظومات تعتمد على البيانات والخوارزميات.
٣. نظام «Where's Daddy?» مرتبطًا بتعقب الأشخاص إلى منازلهم.
التقارير نفسها تحدثت عن نظام أطلق عليه اسم «Where's Daddy?» لتعقب الأهداف إلى منازلها، بما أدى إلى استهدافهم هناك، مع احتمال وجود أفراد عائلاتهم أو مدنيين آخرين في المكان.
وهذه من أكثر النقاط التي تتقاطع مع مضمون «NAZA» حول معرفة وجود المدنيين عند تنفيذ بعض الضربات.
٤. تحقيقات مستقلة تحدثت عن قبول أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، كما نقلت وكالة Reuters، وما أثبته الفيلم من شهادات عن إدماج أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين بصورة روتينية في قرارات الاستهداف الإسرائيلية.
٥. الأمم المتحدة أثبتت بأن نسبة المدنيين بين القتلى كانت مرتفعة جدًا. في تقرير أممي حول تدمير المساكن في غزة، أُشير إلى بيانات استخباراتية عسكرية للاحتلال الإسرائيلي داخلية تفيد بأن ما لا يقل عن 83% من الفلسطينيين الذين قُتلوا بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومايو/أيار 2025 كانوا من المدنيين.
٦. الأمم المتحدة وثقت استخدام الذكاء الاصطناعي في سياق الاستهداف.
في أبريل/نيسان 2024، أعرب خبراء أمميون عن قلقهم من الاستخدام المزعوم للذكاء الاصطناعي والأنظمة المرتبطة به في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، ودعوا إلى التحقيق في كيفية استخدام هذه التقنيات وتأثيرها على المدنيين. وهذا مهم؛ لأنه يعني أن مسألة الذكاء الاصطناعي في الاستهداف لم تظهر لأول مرة مع فيلم «نازا».
٧. في سبتمبر/أيلول 2025، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أفعالًا قالت اللجنة إنها تستوفي عناصر جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وفي يونيو/حزيران 2026، واصلت اللجنة توثيق جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات واسعة ضد الفلسطينيين في غزة.
وأخيرًا، هذا الفيلم الوثائقي لا يأتي في فراغ توثيقي؛ بل يأتي ليثبت ما وثقته سنوات من التحقيقات والتقارير الدولية التي تناولت الإبادة الجماعية، وبموجبها تم توجيه الاتهام لقادة الاحتلال الإسرائيلي بذلك من خلال المحكمة الجنائية الدولية. لكن باعتقادي أن الأهم، وفق شهادات هذا الفيلم «نازا» وما سبقه من جهود، كما كشف عنه في نظام «لافندر» أو نظام «Where's Daddy?» أو إثبات استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية في غزة، فيأتي وثائقي «نازا» لا ليكشف شيئًا جديدًا عما جرى في غزة للعالم؛ بل أعاد تقديم ما كان موثقًا منذ سنوات بالصوت والصورة، ولكن هذه المرة بأصوات من مجتمع الاحتلال الإسرائيلي ومن داخل المنظومة نفسها. لكن السؤال ليس فقط: ماذا كشف الفيلم الوثائقي؟ بل بعد التصفيق الحار، ماذا سيفعل العالم أمام هذه الاعترافات؟







