وكالات - لم يكن قرار النجمة الأميركية أوليفيا رودريغو التعاون مع علامة الأزياء الفلسطينية «نول كوليكتيف» مجرد اختيار لقطعة أزياء تحمل دلالات تضامنية، بل جاء في لحظة حرجة بالنسبة إلى الشركة التي كانت مؤسستها ياسمين مجالي تدرس إغلاقها بالكامل بعد سلسلة من العقبات التي جعلت مواصلة العمل أكثر صعوبة.
وارتدت رودريغو، البالغة من العمر 23 عامًا، فستانًا قصيرًا باللون الوردي الباهت من تصميم «نول كوليكتيف» خلال فعالية إعلامية سبقت انطلاق مهرجان «ديزي تشين فيلدز» الشهر الماضي. وصُنع الفستان من الحرير الخام في الضفة الغربية، وزُيّن بتطريز فلسطيني تقليدي يصور طيورًا وأزهار أقحوان متشابكة.
وبالنسبة إلى مجالي، جاء طلب رودريغو في وقت كانت فيه العلامة تكافح للبقاء، لتصف لاحقًا وصول الطلب بأنه كان بمثابة «تدخل إلهي»، بعدما كانت قد بدأت بالفعل التفكير في أن تكون تلك المحاولة الأخيرة للشركة.
شحنة من الهند تنتهي بالإتلاف
تأسست «نول كوليكتيف» عام 2020، وتعمل مع تعاونيات نسائية وورش خياطة وحرفيات في مناطق مختلفة من فلسطين بهدف الحفاظ على الحرف التقليدية ودعم استمرارها. وتعتمد العلامة في عدد من منتجاتها على ألياف طبيعية مستوردة، وهو ما يجعل عملياتها شديدة التأثر بالقيود الحدودية والتأخير في وصول المواد الخام.
وقبل وقت قصير من تواصل فريق رودريغو معها، كانت مجالي قد طلبت صوفًا منسوجًا يدويًا ومصبوغًا بأصباغ طبيعية من الهند لاستخدامه في مجموعة الخريف الخاصة بالعلامة. إلا أن الشحنة احتُجزت لدى الجمارك الإسرائيلية لعدة أشهر، قبل أن يتم إتلافها في نهاية المطاف، وفق رواية مجالي.
ولم تتوقف الصعوبات عند المواد الخام، إذ عندما حاولت مجالي السفر لاحقًا إلى القدس بحثًا عن بدائل، وجدت أن الطرق المؤدية إليها أُغلقت من جانب القوات المسلحة، ما زاد من صعوبة تأمين المواد اللازمة لاستمرار الإنتاج.
وقالت مجالي، في حديثها عن تلك المرحلة، إنها كانت تسأل نفسها بصدق عما إذا كان ينبغي للشركة أن تتوقف، قبل أن يصل طلب رودريغو ويمنحها فرصة جديدة.
أسبوع واحد لإنجاز فستان رودريغو
لم تكن أمام فريق «نول كوليكتيف» سوى أقل من أسبوع لإنجاز الفستان، الأمر الذي دفع مجالي وزميلتها إلى البحث في رام الله عن المواد المتاحة محليًا.
وبعد البحث، عثرتا على ما وصفته مجالي بأنه الألياف الطبيعية الوحيدة المتوفرة في السوق آنذاك، وهي كمية من الحرير الخام بلون وردي باهت. وبشكل لم يكن مخططًا له، اتضح أن اللون والملمس مناسبان تمامًا للتصميم المطلوب لرودريغو.
ولم يكن الفستان نتاج عمل مصمم واحد، بل مر عبر شبكة واسعة من الحرفيين الفلسطينيين، إذ شاركت تسع أيادٍ في مراحل مختلفة من إنتاجه قبل أن يصبح جاهزًا.
وتكتسب هذه العملية أهمية إضافية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العديد من العمال والأسر الفلسطينية. فبعد هجمات السابع من أكتوبر، فقد عمال فلسطينيون تصاريح عملهم، ما أدى إلى فقدان أسر عديدة في الضفة الغربية مصادر دخل أساسية.
ومع توجه مزيد من النساء إلى أعمال التطريز والحرف اليدوية، قالت مجالي إن «نول كوليكتيف» أصبح بالنسبة إلى عدد كبير من العائلات مصدر الدخل الوحيد.
رحلة شاقة من فلسطين إلى لوس أنجلوس
بعد الانتهاء من الفستان، واجهت العلامة تحديًا جديدًا تمثل في إيصاله إلى لوس أنجلوس في الوقت المناسب للمهرجان.
ولم تتمكن الشركة من العثور على شركة شحن في المنطقة تضمن تسليم الملابس في الموعد المحدد، ما دفعها في النهاية إلى الاعتماد على شخصين وافقا على حمل الفستان ضمن أمتعتهما وتسليمه يدويًا في كاليفورنيا.
وبذلك، لم تكن رحلة الفستان من مرحلة التصميم إلى الظهور العلني قصيرة أو سهلة، بل مرت عبر سلسلة من العقبات المرتبطة بتوفير المواد الخام، والتنقل، والإنتاج، ثم الشحن إلى الولايات المتحدة.
وكشفت رودريغو عن الفستان قبل انطلاق مهرجان «ديزي تشين فيلدز»، الذي أقيم للمرة الأولى في 29 أغسطس بمدينة إرفاين في كاليفورنيا.
فستان يحمل رموز التطريز الفلسطيني
اختار التصميم الجمع بين الطابع العصري للفستان القصير والهوية التقليدية للتطريز الفلسطيني، إذ ظهرت عليه رسومات لطيور وأزهار أقحوان متداخلة.
ويأتي هذا التصميم ضمن توجه «نول كوليكتيف» إلى استخدام الحرف التقليدية الفلسطينية في قطع أزياء معاصرة، بما يسمح بإبقاء هذه المهارات حاضرة في صناعة الأزياء الحديثة، إلى جانب توفير فرص اقتصادية للحرفيات والتعاونيات التي تعمل معها العلامة.
وترى مجالي أن اختيار رودريغو للقطعة يتجاوز مجرد ارتداء فستان فلسطيني، معتبرة أن الملابس يمكن أن تتحول إلى وسيلة للتعبير عن المواقف السياسية والإنسانية، وهو تقليد ارتبط تاريخيًا بعدد من تيارات الموسيقى البديلة والبانك.
مهرجان رودريغو يركز على قضايا النساء والفتيات
جاء ظهور الفستان ضمن مهرجان «ديزي تشين فيلدز» الذي أطلقته رودريغو، وشارك فيه عدد من الفنانات والفرق الموسيقية، من بينهم تشابل روان، ودويتشي، وبيكيني كيل، وميتسكي، وغاربيج، وذا بريدرز، إلى جانب مشاركات من ستيفي نيكس وسارة ماكلاكلان وألانيس موريسيت.
ويركز المهرجان على الربط بين الموسيقى والتعليم والتوعية بالقضايا التي تؤثر في النساء والفتيات، مع توجيه صافي عائداته إلى منظمات تعمل في مجالات الصحة الإنجابية، وصحة الأم، والدعم القانوني، والعدالة الاقتصادية، وغيرها من القضايا المرتبطة بالنساء والفتيات.
وفي هذا السياق، أصبح تعاون رودريغو مع «نول كوليكتيف» جزءًا من حضور أوسع للقضايا الإنسانية والاجتماعية في نشاطها العام.
رودريغو سبق أن تحدثت عن غزة
وكانت رودريغو قد تحدثت في وقت سابق عن الأزمة الإنسانية في غزة، معربة عن حزنها تجاه ما وصفته بالدمار والمعاناة التي يتعرض لها المدنيون الفلسطينيون.
وفي منشور على حسابها في «إنستغرام» العام الماضي، قالت إنها تشعر بحزن شديد وهي تشاهد ما يحدث في غزة، كما أعلنت عن تبرع لمساعدة الضحايا، وأشارت إلى منظمة اليونيسف داعية متابعيها إلى دعم جهود الإغاثة.
وعادت النجمة إلى الموضوع في مايو الماضي خلال مقابلة مع برنامج «بوبكاست» التابع لصحيفة «نيويورك تايمز»، حيث تحدثت عن شعورها تجاه الحرب والمعاناة في غزة، رغم تأكيدها أنها ليست خبيرة في الجغرافيا السياسية.
وقالت رودريغو إنها ترى أن عدم الشعور بالحزن تجاه ما يحدث في غزة سيكون نوعًا من النفاق، مضيفة أنها غالبًا ما تشعر بأنها قادرة على فعل المزيد والتحدث بصورة أكبر.
من الشعور بالعجز إلى تضامن ملموس
بالنسبة إلى مجالي، تحول ذلك الموقف من مجرد تعبير عن الحزن إلى فعل ملموس من خلال التعاون مع علامة فلسطينية مستقلة.
وترى مؤسسة «نول كوليكتيف» أن ظهور الفستان على رودريغو منح العلامة فرصة لاستعادة الزخم في وقت كانت فيه تواجه خطر التوقف، كما أتاح تسليط الضوء على الحرفيات الفلسطينيات وعلى الصعوبات التي تواجهها صناعة الأزياء المحلية.
وأكدت مجالي أن الاستمرار بالنسبة إليها أصبح فعلًا بحد ذاته، قائلة إن عليها أن تنهض وتواصل العمل، وإن الشركة ما زالت موجودة ولم تنسَ ما تحاول الحفاظ عليه.
ويأتي ذلك في ظل استمرار الأزمة الإنسانية في غزة، التي تشير التقارير الواردة من الأمم المتحدة إلى أنها خلفت عشرات الآلاف من القتلى الفلسطينيين وأدت إلى نزوح واسع للسكان، وسط استمرار معاناة المدنيين والأطفال وتدهور الظروف الإنسانية.







