نيويورك - دعا المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة رياض منصور مجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات حازمة وتدابير فورية لوقف ما وصفها بجرائم الاحتلال الإسرائيلي والتطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني، وإنهاء الاحتلال غير القانوني وتفكيك المشروع الاستيطاني، إلى جانب ضمان المساءلة وإعمال حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال.
وجاء ذلك في رسالة وجهها منصور إلى رئيس مجلس الأمن جيروم بونافونت، استعرض فيها أحدث التصريحات والسياسات والإجراءات التي أعلنها مسؤولون إسرائيليون، معتبرًا أنها تكشف بصورة صريحة، بحسب وصفه، عن مخططات تستهدف إزالة الشعب الفلسطيني من أرضه ومحو فلسطين، بالتزامن مع تصعيد العمليات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة.
وقال منصور إن إسرائيل لا تعمل، وفق تقديره، على تقويض الوجود الفلسطيني فحسب، وإنما تهدد بـ«التدمير الكامل للشعب الفلسطيني»، مشيرًا إلى أن مخططات التهجير والتطهير العرقي أصبحت، بحسب وصفه، هدفًا معلنًا تتبناه مؤسسات الدولة الإسرائيلية المختلفة، بينما تعمل القوات الإسرائيلية وجماعات المستوطنين على تنفيذها ميدانيًا.
تصريحات إسرائيلية بشأن غزة والضفة
وأشار المندوب الفلسطيني إلى تصريحات وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي قال في 2 سبتمبر/أيلول الجاري إنه «لا يوجد حل حقيقي لغزة في نهاية المطاف من دون الهجرة»، وتحدث عن استعداد إسرائيل لإخراج الفلسطينيين «بحرًا وجوًا وبكل وسيلة ممكنة».
واعتبر منصور أن هذه التصريحات تمثل، بحسب وصفه، إقرارًا علنيًا بمخطط يهدف إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة.
كما أشار إلى تصريحات كاتس المتعلقة بالعمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتهديده بإطلاق حرب شاملة فيها، بما يشمل إجلاء السكان من المدن والقرى على غرار ما جرى في قطاع غزة، إضافة إلى إعلانه عن تنفيذ «عمليات تصفية مستهدفة» بحق مسؤولين في السلطة الفلسطينية.
وتطرق منصور كذلك إلى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي أكد فيها أن إسرائيل لن تنسحب من قطاع غزة، وأنها تسيطر على 60% من مساحة القطاع، إلى جانب ما وصفه منصور بتفاخر نتنياهو بإقامة مستوطنات وبؤر استيطانية جديدة وتعهداته بمواصلة التوسع الاستيطاني.
خطة «الهجرة الطوعية» في مرمى الانتقاد
واستعرضت الرسالة أيضًا تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي أعلن عن خطة أطلق عليها اسم «فك الارتباط 710»، وقال إنها تهدف إلى تشجيع «الهجرة الطوعية» لنحو 1.86 مليون فلسطيني من قطاع غزة خلال سبع سنوات.
وأوضح منصور أن بن غفير تحدث عن إخراج 250 ألف فلسطيني من القطاع خلال العام الأول، ومليون فلسطيني خلال ثلاث سنوات، وصولًا إلى نحو 1.9 مليون شخص خلال سبع سنوات، معتبرًا أن هذه التصريحات تمثل إعلانًا واضحًا، من وجهة نظره، عن مخطط للتهجير القسري والمنهجي للشعب الفلسطيني.
وأضاف أن بن غفير واصل في الوقت ذاته الترويج لسياسات تتعلق بإذلال وتعذيب المعتقلين الفلسطينيين، بما في ذلك وسمهم بالأرقام، فضلًا عن الترويج لعقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين.
سموتريتش والاستيطان في الضفة
وفيما يتعلق بوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، قال منصور إنه أعلن إقامة مستوطنة جديدة قرب بيت لحم، ودعا إلى جلب مليون مستوطن، إلى جانب تهديداته بإسقاط السلطة الفلسطينية وتصريحاته بأن مناطق من الضفة الغربية «لإسرائيل».
وأشار كذلك إلى إعلان سموتريتش عن مخططات للاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين، من خلال إقامة عشرات المستوطنات والمزارع في النقب والجليل، في إطار ما وصفه بمخطط «تهويد» المنطقتين.
كما تناولت الرسالة تصريحات صادرة عن شخصيات دينية إسرائيلية قال منصور إنها تتضمن تحريضًا وعنصرية وإنكارًا لوجود الشعب الفلسطيني وحقوقه، معتبرًا أن ما وصفه بالتحريض المنهجي والمؤسسي ونزع الإنسانية عن الفلسطينيين مهّد الطريق لارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.
اتهامات بتوسيع التهجير في الضفة الغربية
وقال منصور إن إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، عملت على مدى عقود على بناء ما وصفها ببنية متكاملة للتطهير العرقي والسلب والتهجير القسري في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.
وأشار إلى هدم القوات الإسرائيلية قرية خربة التبان في مسافر يطا جنوب الخليل خلال الأسبوع الماضي، وتهجير أكثر من 70 مواطنًا، معتبرًا أن القرية تنضم بذلك إلى أكثر من 47 تجمعًا فلسطينيًا قال إنه جرى تهجيرها ومحوها من الخريطة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
كما أشار إلى الهجوم الإسرائيلي على قرية المغير، الذي أدى، بحسب الرسالة، إلى استشهاد الطفلين عمر النسان، البالغ 17 عامًا، وخليل أبو عليا، البالغ 16 عامًا.
وقال منصور إن المستوطنين والقوات الإسرائيلية قتلوا منذ ديسمبر/كانون الأول 2024 تسعة فلسطينيين في القرية وحدها، بينهم خمسة أطفال.
ونقل عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن قرية المغير، التي تحيط بها ثماني بؤر استيطانية، تعرضت لأكثر من 50 هجومًا من جانب المستوطنين خلال العام الجاري، بمعدل سبعة هجمات شهريًا، وبمشاركة أو دعم أو تواطؤ من القوات الإسرائيلية، وفق ما ورد في الرسالة.
تهجير عشرات الآلاف من مخيمات شمال الضفة
وجدد منصور التأكيد على استمرار استهداف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في شمال الضفة الغربية، ولا سيما مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم، مشيرًا إلى تهجير أكثر من 40 ألف فلسطيني ومنعهم من العودة إلى منازلهم.
ولفت إلى تقرير أصدرته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في 4 سبتمبر/أيلول، قال إنه وثق قتل مدنيين وتدمير مئات المنازل والبنى التحتية، وقطع المياه والكهرباء ومنع وصول المساعدات الإنسانية، إلى جانب إجبار السكان على مغادرة مخيماتهم.
غزة تحت القصف والحصار والتجويع
وفي قطاع غزة، قال منصور إن إسرائيل تواصل تعزيز ما وصفه ببنية التطهير العرقي عبر القصف والقتل والحصار والحرمان من مقومات الحياة الأساسية والتجويع وانتشار الأمراض.
وأوضح أن نحو 2.3 مليون فلسطيني، بينهم ما لا يقل عن مليون طفل، يعيشون في مساحة تقل عن ثلث مساحة القطاع، فيما لا يزال نحو 1.9 مليون شخص مهجرين، ويعيش ثلثا الأسر في خيام، يعاني أكثر من نصفها، وفق الرسالة، أوضاعًا سيئة وغيابًا للخدمات الأساسية.
وأضاف أن أكثر من 30 ألف خيمة تنتظر عند الممرات، فيما تمنع إسرائيل إدخالها، رغم الحاجة إلى نحو 130 ألف خيمة استعدادًا لفصل الشتاء وما قد يرافقه من برد وفيضانات.
وقال منصور إن إسرائيل تواصل استخدام المساعدات الإنسانية، بحسب وصفه، أداة للتهجير والتطهير العرقي، في وقت يواجه فيه نحو 1.4 مليون فلسطيني في القطاع مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
استمرار سقوط الضحايا
وأكد المندوب الفلسطيني أن القتل لم يتوقف، مشيرًا إلى استشهاد أكثر من 30 فلسطينيًا جراء الهجمات الإسرائيلية خلال الفترة بين 28 أغسطس/آب و7 سبتمبر/أيلول.
ومن بين الضحايا، وفق الرسالة، الطفلة وفاء عقيلة، البالغة ثمانية أعوام، ووالدها يوسف، اللذان استُهدفت سيارتهما أثناء توجههما إلى المدرسة في أول يوم دراسي للطفلة.
وتأتي هذه التطورات، بحسب منصور، في سياق استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية والأمنية في قطاع غزة والضفة الغربية، وسط دعوات فلسطينية متكررة إلى تحرك دولي أكثر حزمًا.
دعوات إلى عقوبات على الاستيطان
ورحب منصور بالتدابير التي أعلنتها المملكة المتحدة وفرنسا وكندا لحظر منتجات المستوطنات وفرض عقوبات أوسع على المشروع الاستيطاني والكيانات والأفراد الذين يمولونه أو يسهلون أنشطته، كما رحب بإجراءات مماثلة أعلنتها إسبانيا وهولندا وأيرلندا والنرويج وبلجيكا.
كذلك رحب بقرارات الدنمارك وفنلندا وأيسلندا وبولندا والبرتغال والسويد اتخاذ تدابير وطنية مماثلة ودعم القيود الأوروبية على التجارة مع المستوطنات.
ودعا هذه الدول إلى تحويل مواقفها إلى إجراءات ملزمة، تشمل فرض حظر كامل على منتجات المستوطنات، وفرض عقوبات على المشروع الاستيطاني والكيانات والأفراد المتورطين فيه.
كما طالب الدول باتخاذ تدابير شاملة لمنع التجارة والاستثمار والأنشطة الاقتصادية التي تدعم الاحتلال الإسرائيلي، بحسب وصفه، والمشروع الاستيطاني أو تستفيد منهما، بما يشمل وقف نقل الأسلحة والمعدات التي يمكن استخدامها في الأراضي الفلسطينية، وفرض عقوبات وحظر سفر وتجميد أصول.
وأكد أن هذه الإجراءات، من وجهة نظره، تنسجم مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن عدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي، ومع قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومن بينها قرار مجلس الأمن 2334 بشأن عدم قانونية المستوطنات.
دعوة إلى المساءلة أمام المحاكم الدولية
وشدد منصور على ضرورة ضمان المساءلة عن الجرائم الإسرائيلية، والتحقيق مع المتورطين فيها وملاحقتهم قضائيًا، إلى جانب دعم إجراءات المساءلة أمام المحاكم الدولية.
ورحب باعتراف المملكة المتحدة بأن الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني، وبإقرارها بوجود تطهير عرقي في أجزاء من الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، فضلًا عن دعمها للمحاكم الدولية وجهود المساءلة، بما في ذلك قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.
«العمل وليس البيانات»
وفي ختام رسالته، أكد منصور أن «العمل، وليس البيانات» هو ما سيساعد الشعب الفلسطيني على البقاء وتحقيق حقوقه غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير والاستقلال.
ودعا مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهما وتوسيع الإجراءات المتخذة وتعزيزها، معتبرًا أن التطورات الميدانية تتطلب انتقالًا من المواقف والتصريحات إلى خطوات عملية وملزمة.
وتأتي رسالة منصور متابعة لـ891 رسالة سابقة بشأن الأزمة المستمرة في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، والتي قال إنها تشكل سجلًا أساسيًا للجرائم التي ترتكبها إسرائيل، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، بحق الشعب الفلسطيني منذ سبتمبر/أيلول 2000.






