رؤى قنن - مصدر الإخبارية
مع اقتراب العام الدراسي الجديد في قطاع غزة، لا تنشغل أم محمد عيّاش بشراء الحقائب والدفاتر والزي المدرسي لأطفالها الأربعة بقدر انشغالها بتأمين الطعام والمياه وما يلزم للبقاء على قيد الحياة.
فبعد سنوات الحرب والنزوح، أصبح التعليم بالنسبة لعائلتها احتياجاً أساسياً، لكنه يأتي في قائمة طويلة من الاحتياجات التي تفوق قدرتها على الاحتمال.
تقول أم محمد لـ"شبكة مصدر الإخبارية"، "إنّ لديها أربعة أطفال في مراحل دراسية مختلفة، وتوفير مستلزمات الدراسة يُعتبر عبئاً إضافياً على أسرة تكافح يومياً لتأمين احتياجاتها الأساسية".
ومع تضرر أعداد كبيرة من المدارس وتحول بعضها إلى مراكز إيواء أو خروجها عن الخدمة، باتت العائلات أمام خيارات محدودة: خيام ونقاط تعليمية مؤقتة، مدارس ميدانية، تعليم افتراضي، أو مدارس خاصة لا تستطيع كثير من الأسر تحمل تكاليفها.
وبينما تحاول المؤسسات التعليمية إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة، تصطدم الأسر بواقع اقتصادي قاسٍ؛ فتكلفة المواصلات، والقرطاسية، والملابس، والملازم، والاتصال بالإنترنت، وغيرها من الاحتياجات، أصبحت جميعها جزءاً من فاتورة تعليمية ثقيلة على عائلات فقدت مصادر دخلها أو تعيش في ظروف نزوح قاسية.
تعليم بلا جدران
وتشير وزارة التربية والتعليم العالي، في تقريرها التشخيصي حول الحالة التعليمية في غزة للأعوام 2023-2026، إلى أن الحرب أحدثت انهيارات عميقة في البيئة التعليمية، وطالت البنية البشرية والمؤسسية والمادية للقطاع، فيما شملت الاستجابة الطارئة إنشاء مدارس ميدانية وخيام تعليمية في مناطق النزوح وإطلاق رزم تعليمية لتعويض الفاقد التعليمي.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، قالت الوزارة إن نحو 317,332 طالباً وطالبة التحقوا بالمساحات التعليمية والمدارس والمبادرات الوجاهية، فيما ظل نحو 120 ألف طالب وطالبة ملتحقين بالمدارس الافتراضية التي يدرس فيها معلمون ومعلمات من الضفة الغربية.
لكن التعليم الافتراضي، الذي قد يبدو حلاً في الظروف الطبيعية، يتحول في غزة إلى تحدٍ جديد، إذ يحتاج إلى جهاز مناسب وكهرباء وشبكة إنترنت مستقرة، وهي متطلبات يصعب توفيرها في أماكن النزوح.
رنا.. جامعة داخل خيمة
في مواصي خان يونس، تحاول رنا الهبّاش، طالبة جامعية تدرس في كلية التجارة بالجامعة الإسلامية، متابعة تعليمها من داخل خيمة النزوح.
تقول رنا لـ"شبكة مصدر الإخبارية"، "إن الدراسة الجامعية لم تعد مرتبطة فقط بالقدرة على فهم المحاضرات أو إنجاز الواجبات، بل أصبحت مرتبطة بتوفير الإنترنت والمال اللازم للمواصلات وشراء الملازم والمواد الدراسية".
وتُضيف رنا القول" والدي لا يعمل، والأسرة لا تملك القدرة على تحمل هذه النفقات بصورة منتظمة، وفي كل مرة أحتاج فيها إلى بطاقة إنترنت أو إلى الذهاب لمكان تتوفر فيه الشبكة، أجد نفسي أمام تكلفة إضافية لا تستطيع الأسرة تحملها".
وكانت وزارة التربية والتعليم العالي قد أشارت إلى أن عودة التعليم الجامعي الوجاهي في غزة تتم تدريجياً، بالتوازي مع توفير أماكن مؤقتة ومنح للطلبة، ومعالجة آثار تدمير المختبرات والمشاغل المرتبطة بالتخصصات التي تحتاج إلى تدريب عملي.
عام دراسي جديد.. في الخيام
وفي أحدث مستجدات العام الدراسي 2026/2027، أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي أن دوام الهيئات الإدارية والتدريسية في قطاع غزة سيبدأ في 16 سبتمبر/أيلول 2026، على أن يلتحق الطلبة بالدراسة في 19 سبتمبر/أيلول.
وأوضحت الوزارة أن تأخير الموعد مقارنة ببداية العام الدراسي في الضفة الغربية جاء لأسباب فنية ولوجستية، إضافة إلى مراعاة ارتفاع درجات الحرارة، نظراً إلى أن جزءاً من الطلبة سيتلقون تعليمهم في الخيام.
كما تعتمد الخطة على التوسع في النقاط التعليمية الوجاهية، مع الإبقاء على المدارس الافتراضية للطلبة الذين لا يستطيعون الوصول إلى التعليم الوجاهي.
وبحسب أحدث البيانات التي نشرتها وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا" في الخامس من سبتمبر/أيلول، تستعد الوزارة لتوفير نحو 700 نقطة تعليمية وجاهية و25 مدرسة مؤقتة في القطاع، مع استمرار التعليم الافتراضي، بما يتيح لنحو 541 ألف طالب وطالبة مواصلة تعليمهم وفق الإمكانات المتاحة.
إذ قالت وزارة التربية والتعليم في يناير/كانون الثاني إنها تعمل على إزالة الركام من مساحات المدارس المهدمة وتوفير مدارس مؤقتة إلى حين إنشاء بدائل دائمة.
وفي مارس/آذار 2026، أعلنت الوزارة البدء بإنشاء 10 مدارس مؤقتة في غزة، تضم كل واحدة منها 10 غرف صفية، إضافة إلى مرافق إدارية وصحية، ضمن الاستعدادات لاستمرار العملية التعليمية وإجراء امتحان الثانوية العامة.
وبلغت قيمة المشروع الإجمالية نحو 650 ألف دولار.
الكتب والمستلزمات.. أزمة أخرى
وبينما تتحدث الخطط الرسمية عن إعادة تشغيل العملية التعليمية، تواجه الأسر تحدياً آخر يتمثل في تأمين الأدوات اللازمة للدراسة.
فالكتاب المدرسي، والدفتر، والقلم، والحقيبة، والزي المدرسي، والمواصلات، كلها احتياجات قد تبدو بسيطة في الظروف العادية، لكنها تتحول في غزة إلى أعباء مالية بالنسبة لعائلات تعاني من النزوح وفقدان مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
مدارس خاصة.. خيار لا يقدر عليه الجميع
ومع تضرر المدارس الحكومية ، تلجأ بعض الأسر إلى المدارس الخاصة باعتبارها خياراً متاحاً لمواصلة تعليم أبنائها.
لكن هذا الخيار يحمل تكلفة إضافية لا تستطيع كثير من العائلات تحملها، خصوصاً الأسر التي لديها أكثر من طفل في سن الدراسة.
وبالنسبة لأم محمد، فإن إرسال أربعة أطفال إلى مدرسة خاصة يعني مصاريف تتجاوز قدرتها، في وقت تحاول فيه الأسرة تأمين أساسيات الحياة اليومية.
ورغم كل ذلك، يواصل آلاف الطلبة محاولاتهم للعودة إلى التعليم، سواء عبر الخيام والنقاط التعليمية أو من خلال المنصات الإلكترونية.
وزارة التربية والتعليم العالي نفسها أقرت بأن الأزمة التعليمية في غزة تحتاج إلى الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التعافي وإعادة البناء، ووضعت في تقريرها الصادر في يوليو/تموز 2026 خارطة طريق تستهدف إعادة بناء المنظومة التعليمية على أسس أكثر استدامة وقدرة على الصمود.
في غزة، لا يواجه الطلبة صعوبة في الوصول إلى المدرسة فحسب؛ بل يواجهون معركة يومية من أجل البقاء داخل العملية التعليمية نفسها.






