ترجمات - تشير دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) إلى حدوث تحول ملحوظ في مواقف الجمهور الفلسطيني تجاه حركة حماس واستراتيجية «المقاومة المسلحة»، معتبرة أن تداعيات الحرب والدمار الواسع في قطاع غزة أسهمت في إضعاف سردية «المقاومة المنتصرة» وتراجع الثقة بقدرتها على تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية.
وتستند الدراسة إلى مقارنة بين نتائج استطلاعات أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (PCPSR) خلال السنوات الماضية، واستطلاع أجراه معهد دراسات الأمن القومي في يونيو/حزيران 2026، على أن ينشر المعهد نتائجه الكاملة قريباً.
تراجع الاعتقاد بانتصار حماس
بحسب الدراسة، شهدت ثقة الجمهور الفلسطيني بقدرة حماس على تحقيق «النصر» تراجعاً حاداً منذ بداية الحرب.
وتشير المقارنة التي تستعرضها الدراسة إلى أن نسبة من اعتقدوا بانتصار حماس في قطاع غزة والضفة الغربية وصلت إلى نحو 70% بعد قرابة شهر من اندلاع الحرب، قبل أن تنخفض، بعد نحو ثلاث سنوات، إلى 20% فقط.
وترى الدراسة أن هذا التحول يعكس تصادماً بين الصورة التي رُسمت لهجوم 7 أكتوبر باعتباره إنجازاً تاريخياً، وبين واقع الحرب وما خلفته من دمار وخسائر بشرية وأوضاع إنسانية صعبة، إلى جانب غياب أفق واضح لتحقيق أهداف حماس.
كما تشير نتائج الاستطلاعات إلى أن نحو 60% من الفلسطينيين باتوا يرون أن أياً من طرفي الحرب لم يحقق انتصاراً، وفق المعطيات التي تستند إليها الدراسة.
تحول نحو الخيارات السياسية
وترى الدراسة أن التغير الأكثر أهمية لا يرتبط فقط بمستوى التأييد لحماس، وإنما بتصور الجمهور الفلسطيني للاستراتيجية الوطنية المناسبة.
وبحسب نتائج استطلاع معهد دراسات الأمن القومي، يؤيد 52% حل الدولتين، فيما يؤيد 43% المفاوضات، و13% المقاومة غير العنيفة. وتعتبر الدراسة أن هذه النسب تعكس اتجاهاً متنامياً نحو البحث عن بدائل للمواجهة المسلحة.
كما تشير النتائج إلى أن 57% من المشاركين يرون أن الكفاح المسلح فشل، في مؤشر تعتبره الدراسة تراجعاً في جاذبية الاستراتيجية التي تتبناها حماس.
فجوة واضحة بين غزة والضفة
تلفت الدراسة إلى استمرار وجود فجوة في المواقف بين سكان الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبحسب تحليلها، يميل سكان الضفة الغربية إلى تبني مواقف أكثر تشدداً في بعض الملفات، نتيجة ابتعادهم نسبياً عن القتال المباشر، في حين كان سكان قطاع غزة الأكثر تأثراً بالدمار والخسائر والمعاناة الإنسانية خلال الحرب.
وتقول الدراسة إن استطلاعات 2024 و2025 أظهرت بالفعل تراجعاً في تأييد إعادة حماس إلى الحكم بعد انتهاء الحرب، بالتزامن مع زيادة المطالب بإشراك جهات تكنوقراطية أو السلطة الفلسطينية أو أطراف دولية في إدارة الشؤون المدنية في القطاع.
تراجع حماس لا يعني صعود فتح
لكن الدراسة تحذر من تفسير تراجع التأييد لحماس باعتباره تحولاً تلقائياً نحو حركة فتح أو السلطة الفلسطينية.
وتشير إلى أن أياً من التنظيمين لا يحظى بتأييد أغلبية الجمهور الفلسطيني، في وقت تتزايد فيه مؤشرات البحث عن خيارات بديلة تركز على الاحتياجات اليومية والحياة المدنية والحلول السياسية.
وترى الدراسة أن هذا التحول يعكس، إلى حد كبير، تنامي الاهتمام بالاستقرار والبقاء الشخصي والأسري، بدلاً من استمرار الرهان على استراتيجية عسكرية طويلة الأمد.
تناقضات في المزاج الفلسطيني
في المقابل، ترصد الدراسة تناقضات واضحة في مواقف الجمهور الفلسطيني، معتبرة أن المشهد لا يمثل تحولاً كاملاً ومستقراً نحو الخيار السياسي.
ففي الوقت الذي ترتفع فيه نسبة التأييد للمفاوضات وحل الدولتين، لا يزال هناك تأييد واسع للاحتفاظ بسلاح حماس.
وبحسب استطلاع PCPSR الذي تستعرضه الدراسة، يعارض 72% نزع سلاح حماس قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، فيما يرى 50% أن المقاومة المسلحة أفادت النضال الوطني الفلسطيني.
وتفسر الدراسة هذا التناقض بأنه قد يرتبط بمخاوف من أن يؤدي نزع السلاح إلى استمرار القتال بدلاً من إنهائه، وليس بالضرورة باعتباره تأييداً مطلقاً لاستمرار الحرب.
دعم لإيران والحوثيين ومواقف متباينة
وتشير الدراسة كذلك إلى تسجيل مستويات مرتفعة من التأييد لإيران والحوثيين، معتبرة أن ذلك قد يعكس، من جهة، موقفاً مناهضاً لإسرائيل، ومن جهة أخرى استمراراً لتأييد المقاومة المسلحة التي تتبناها قوى إقليمية راديكالية.
كما ترصد نتائج الاستطلاع تفضيلاً لخليل الحية، رئيس المكتب السياسي لحماس، على محمود عباس في سباق افتراضي للرئاسة الفلسطينية، مع استمرار مروان البرغوثي في تصدر المنافسة.
مفارقة بين المفاوضات والالتزامات السياسية
وتبرز الدراسة تناقضاً آخر في المواقف الفلسطينية، يتمثل في ارتفاع التأييد للمفاوضات وحل الدولتين، مقابل رفض الالتزام باتفاقيات منظمة التحرير الفلسطينية.
ففي استطلاع PCPSR في أغسطس/آب 2026، عارض 66% إلزام المرشحين في الانتخابات بالتعهد بالتزامات منظمة التحرير، بما فيها الاتفاقيات السابقة مع إسرائيل، بينما أيد الشرط 27% فقط.
وتبلغ نسبة التأييد لهذا الشرط 35% في قطاع غزة، مقابل 21% في الضفة الغربية.
وتعتبر الدراسة أن هذا التناقض يعكس صعوبة اعتبار التحول نحو الخيار السياسي تحولاً مكتملاً أو نهائياً في الوعي الفلسطيني.
أزمة ثقة بالسلطة الفلسطينية
ولا يقتصر الاستياء الشعبي، وفق الدراسة، على حماس، بل يمتد أيضاً إلى السلطة الفلسطينية.
فبحسب بيانات PCPSR التي تستعرضها الدراسة، يرى 65% من الفلسطينيين أن السلطة الفلسطينية أصبحت عبئاً، فيما يعتقد 83% بوجود فساد داخل مؤسساتها.
وفي الوقت نفسه، يرى 58% أن حل الدولتين لم يعد عملياً بسبب توسع المستوطنات.
وتشير الدراسة إلى أن هذه النتائج تكشف عن أزمة ثقة واسعة بالمؤسسات والتنظيمات السياسية الفلسطينية، وليس مجرد تحول من فصيل فلسطيني إلى آخر.
ماذا تقترح الدراسة على إسرائيل؟
تعتبر الدراسة أن التحولات التي ترصدها في الرأي العام الفلسطيني تمثل، من وجهة نظرها، «نافذة فرص» أمام إسرائيل، لكنها تحذر من أن المكاسب العسكرية والوعيّاتية قد تتبدد إذا لم ترافقها مبادرة سياسية.
وتوصي إسرائيل باستغلال تراجع شرعية حماس عبر دعم قوى فلسطينية أكثر براغماتية، وخلق أفق سياسي واضح، وربط الاستجابة الإنسانية والمدنية في قطاع غزة بآليات حكم بديلة عن حماس.
مسار سياسي وإعادة إعمار غزة
تقترح الدراسة الدفع نحو خطة لإعادة الإعمار المدني والاقتصادي في قطاع غزة، على أن تكون مرتبطة، بحسب تصورها، بتفكيك البنية العسكرية لحماس وإبعاد الحركة عن مراكز الحكم.
كما تدعو إلى إشراك جهات تكنوقراطية محلية وقوات دولية أو عربية في إدارة القطاع، بالتوازي مع معالجة الاحتياجات الإنسانية وإعادة بناء المؤسسات المدنية.
أما في الضفة الغربية، فتوصي الدراسة بتعزيز الاستقرار الاقتصادي والمدني، وخفض الاحتكاك، ودعم آليات حكم أكثر فاعلية، إلى جانب تشجيع إصلاحات داخل السلطة الفلسطينية.
التطبيع واتفاقيات أبراهام
وتربط الدراسة بين أي مبادرة سياسية إسرائيلية في الملف الفلسطيني وبين فرص توسيع اتفاقيات أبراهام ودفع مسار التطبيع الإقليمي.
وترى أن طرح مسار سياسي قابل للتطبيق يمكن أن يساهم في إعادة الزخم إلى جهود التطبيع، مع التركيز خصوصاً على إقامة علاقات رسمية مع السعودية ودول إسلامية أخرى.
وبحسب الدراسة، يمكن لمسار كهذا أن يوفر غطاءً إقليمياً واقتصادياً وأمنياً لأي تسويات مستقبلية.
تعزيز العلاقة مع واشنطن
كما توصي الدراسة بتعزيز التنسيق مع الإدارة الأميركية والكونغرس، معتبرة أن تبني إسرائيل تحركاً سياسياً استباقياً قد يساعد على إعادة بناء الثقة مع واشنطن.
وترى أن التعاون الأميركي يمكن أن يخدم المصالح الإسرائيلية في ملفات أخرى، بينها مواجهة البرنامج النووي الإيراني، وترتيبات الأمن على الحدود الشمالية مع حزب الله ولبنان، إلى جانب مشاريع إعادة الإعمار والأمن الإقليمي.
الخلاصة: فرصة إسرائيلية مشروطة
تخلص الدراسة إلى أن الحرب أحدثت، وفق قراءتها، تصدعاً كبيراً في سردية «المقاومة المسلحة» وفي صورة حماس باعتبارها صاحبة استراتيجية قادرة على تحقيق النصر.
لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن هذا التحول لا يعني انتهاء التأييد للمقاومة أو حسم الجمهور الفلسطيني خياراته السياسية، إذ لا تزال هناك مواقف متعارضة بشأن سلاح حماس، والعلاقات مع إسرائيل، واتفاقيات منظمة التحرير، ومستقبل الدولة الفلسطينية.
وبناءً على ذلك، تعتبر الدراسة أن تراجع التأييد لحماس يمثل فرصة سياسية أمام إسرائيل، لكنها ترى أن تحويل هذه الفرصة إلى تغيير طويل الأمد يتطلب، من منظورها، الانتقال من إدارة الصراع عسكرياً إلى بلورة مسار سياسي وإقليمي واضح.
وتحذر الدراسة من أن غياب مثل هذا المسار قد يؤدي إلى ضياع آثار التحول في المزاج الفلسطيني وعودة الإحباط والعنف، بينما يمكن، وفق تصورها، الجمع بين الضغط على حماس والمبادرة السياسية لإعادة تشكيل الواقع في غزة والمنطقة على نحو يخدم المصالح الإسرائيلية.





