طلال عوكل - مصدر الإخبارية
بعد تجريبتين انتخابيتين الأولى رئاسية وتشريعية عام 1996، والثانية رئاسية عام 2005 وتشريعية 2006، كانت ستؤسس لنظام سياسي فلسطيني ديمقراطي، ينزع من السردية الإسرائيلية ادعاءها بأنها واحة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، عاد الفلسطينيون لتأكيد انتمائهم للجين العربي.
لم تكن مسألة غياب الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني لحوالي عقدين من الزمان هي الانتكاسة الوحيدة، بل تبعتها انتكاسة أخرى كبيرة حين وقع الانقسام عام 2007، والذي أسست له نتائج الانتخابات التشريعية، التي فازت فيها حركة حماس بتشكيل الحكومة.
خلال العقدين المنصرمين جرت محاولات عديدة احتضنتها عواصم عربية ودولية، وتوسطت فيها قوى ودول وازنة، لإنهاء الانقسام وتحقيق مصالحة وطنية تعيد بناء النظام السياسي، واستعادة وحدة الشعب، لكن هذا الهدف استعصى على طرفي الانقسام، بسبب خلافات عميقة ذات أبعاد وأسباب فئوية، ونوايا إقصائية، عرّض خلالها كل طرف أقصى ما لديه من اتهامات للطرف الآخر. بعد مرور المدد القانونية فقدت المؤسسات الوطنية العامة الشرعية، مما أسس لشرعيات متناقضة ومتصادمة، حيث تمسكت حماس بشرعية المجلس التشريعي، حتى بعد حله من قبل الرئيس، وتمسكت حركة فتح بشرعية الرئاسية، وكل أخذ يصدر تشريعات وفق حساباته، ومع كل تشريع، تفاقمت وتعمقت ظواهر الانقسام، خصوصاً مع تدخل الاحتلال، لصالح تأبيد الانقسام والفصل. كل محاولات الخروج من المأزق الانقسامي، لم تنجح لا من خلال الانتخابات ولا من خلال توافق وطني، بالرغم من أن الظروف الأمسّ كانت أفضل من ظروف اليوم. لم يكن الفلسطينيون في غياب عن دور الإحتلال، باعتباره صاحب المصلحة الحقيقية في استمرار الانقسام ومفاعيله لكن الإرادة لإنهائه هي التي غابت في خضم الحسابات السياسية والفئوية القاصرة. في ظروف معقدة للغاية، ولأسباب تتعلق بالضغط الدولي وخاصة الأوروبي، الذي يشترط مواصله تقديم الدعم المالي للسلطة، بضرورة تلبية شروط إصلاح سياسي حقيقي، أصدر الرئيس محمود عباس مرسوم إجراء الانتخابات للتشريعي والوطني في نوفمبر القادم وتأجيل الانتخابات الرئاسية للعام المقبل وربما لأعوام قادمة. المرسوم تضمن بنداً اعتبره الكثيرون بأنه إقصائي، حيث يشترط توقيع المرشحين كأفراد أو قوائم على الالتزام ببرنامج منظمة التحرير وهو عملياً برنامج أوسلو الذي رفضته و قاومته حماس والجهاد والشعبية والديمقراطية، والمبادرة الوطنية، ولم يسلم من انتقاد فصائل أخرى في المنظمة وخارجها. المفاجأة الأولى جاءت من عضو اللجنة المركزية جبريل الرجوب الذي اعتبر أن إجراء هذه الانتخابات قبل الانتخابات الرئاسية يشكل خطأ كبيراً. على أن المفاجأت لم تتوقف هنا، حيث أعلنت حماس وفصائل المقاومة الأخرى، استعدادها للانخراط والمشاركة في العملية الانتخابية وحثت المواطنين على الاستجابة لممارسة حقوقهم الانتخابية. هذه الموافقة جاءت مخالفة بل متناقضة مع السياسات التقليدية لحماس وفصائل المقاومة التي داومت على رفض الانخراط في برنامج أوسلو. هل هي الضرورة التكتيكية، التي فرضت على الفصائل المعارضة لأوسلو تحت وطأة الواقع الصعب الذي نشأ بعد طوفان الأقصى، أم أن ذلك ينطوي على تغييرات حقيقية في هوية تلك الفصائل؟ أما المفاجأة الأخرى التي لا تقل أهمية، هي التحالف الذي تم الإعلان عنه بين تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، وبين حركتي حماس والجهاد الإسلامي. السياسة لا تعرف ثبات التحالفات أو الخصومات فثمة مصلحة للطرفين في هذا التوافق، الذي يوفر له التيار، أبعاداً سياسية وعربية ودولية، وأيضا الإمكانيات المادية. هذه المفاجآت تثير قلقاً شديداً لدى قيادة حركة فتح، التي راحت تبحث عن تحالفات مضادة، قد تجدها عند الجبهتين الشعبية والديمقراطية والمبادرة الوطنية. والتي لم تحدد بعد إلى أين تتجه، نحو هذا الطرف أو ذاك أو نحو ائتلاف ثالث. هذه اللوحة المتحركة، قد تدفع نحو البحث عن ذرائع لتأجيل الانتخابات خاصة وأن ثمة عقبات أخرى كثيرة منها ما يتعلق بآلية تصويت المقدسيين، ومنها ما يتعلق بغزة. في غزة لا إمكانية لسجل الانتخابي، تم استبداله بالسجل المدني، وفي غزة ثمة أعداد كبيرة من المفقودين، وأعداد أكبر بكثير ممن فقدوا أوراقهم الثبوتية بسبب الحرب. وفي غزة تطرح مسألة الجهة التي ستتحمل المسؤولية عن الأمن خلال الانتخابات، وأيضاُ تدخل إسرائيل لجهة منع لجنة الانتخابات من توفير الأدوات والمعدات اللازمة. وفوق هذه كلها فإن إسرائيل من المرجح أن تمنع دخول المراقبين الدوليين للإشراف على الانتخابات لتعطيلها، وأيضاً لمنع هؤلاء من الوقوف على حقائق الوضع في الضفة وغزة. والسؤال هو هل ستجري الانتخابات أم أن الأسباب والذرائع كثيرة لتأجيلها؟







