جمال زقوت .. مصدر الإخبارية
ثمة لحظات في حياة الشعوب يصبح فيها السؤال عن الخطوة التالية أقل أهمية من السؤال عن المسار الذي أوصل إليها. وفي الحالة الفلسطينية، يبدو أننا أمام واحدة من هذه اللحظات.
الأزمة لم تعد أزمة إجراء أو ترتيب أو تحالف انتخابي، ولا أزمة أشخاص يمكن تجاوزها بتبديل المواقع. إنها حصيلة انزياحات كبرى تراكمت عبر سنوات تراجع فيها المشروع الوطني لصالح إدارة السلطة، واختلت العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير، وجرى تهميش الدور الجبهوي للمنظمة، وتآكلت التعددية السياسية والفكرية، وتركز القرار في مركز ضيق، من دون مراجعة استراتيجية توازي حجم التحولات التي عصفت بالقضية والمنطقة والعالم.
ومن هنا يبرز السؤال الأصعب، وهو هل يستطيع من قاد هذا المسار وأدار أزماته أن يقود عملية الخروج منه؟
أزمة مسار وليس مجرد أزمة إجراءات
جوهر المأزق ليس في أن الأداء كان ضعيفاً هنا أو أن قراراً كان خاطئاً هناك. المشكلة أعمق وتكمن في أن أدوات إدارة المرحلة السابقة ما زالت تُستخدم للتعامل مع مرحلة انتهت بالفشل.
فالمسار الذي نشأت في ظله السلطة لم يحقق أهدافه الوطنية، والتسوية التي كان يفترض أن تقود إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة لم تحقق النتيجة المنشودة. والمنظمة التي يفترض أن تكون الإطار الجامع للشعب الفلسطيني تراجع دورها لحساب السلطة، بينما تآكلت داخل النظام السياسي آليات المشاركة والمساءلة وإنتاج البدائل. ومع ذلك، لم تُنتج هذه التحولات مراجعة سياسية شاملة تعيد تعريف المرحلة وأهدافها وأدواتها، وبدلاً من ذلك، استمر الميل إلى إدارة الأزمة، لا مراجعة أسبابها.
هل تعالج الخطوات التكتيكية الانزياح الاستراتيجي؟
لهذا تبدو بعض الخطوات المطروحة اليوم، مهما كانت أهميتها الإجرائية، عاجزة عن الإجابة عن جوهر المأزق إذا بقيت منفصلة عن مراجعة المسار كله. فإعادة ترتيب الأطر، أو جمع المتباعدين، أو حتى إجراء الانتخابات، أو تعديل بعض الهياكل، لا تكفي وحدها لمعالجة اختلالات سياسية تراكمت على مدى سنوات طويلة جرت في النهر خلالها مياه كثيرة.
قد تنجح هذه الإجراءات في تخفيف الضغط أو إعادة إنتاج قدر من الشرعية، لكنها لا تعيد تلقائياً بناء المشروع الوطني، ولا تستعيد للمنظمة دورها، ولا تعيد التعددية إلى الحياة السياسية، ولا تخلق بديلاً للاستراتيجية التي وصلت إلى طريق مسدود. فهل يمكن ترميم البناء من دون مراجعة الأساس الذي أصابه الخلل؟
تغييب التعددية
لعل أحد أخطر مظاهر الأزمة هو الانزياح التدريجي من التعددية إلى الهيمنة والإقصاء. فالتعددية لم تكن ترفاً سياسياً؛ كانت إحدى أهم ركائز الحركة الوطنية الفلسطينية. وكانت منظمة التحرير، بطابعها الجبهوي، تعبيراً عن قدرة الشعب الفلسطيني على إدارة اختلافاته داخل إطار وطني جامع.
كما كانت التعددية داخل مكونات الحركة الوطنية، بما فيها حركة فتح، مصدر قوة وتجدد، لأنها أتاحت الاختلاف ومحاولة تصويب الأخطاء وإنتاج البدائل.
إلا أن إقصاء التعددية، وطنياً وتنظيمياً، لا يلغي الاختلاف؛ بل يدفعه إلى أشكال أكثر سلبية، ويحوله من تنافس بين رؤى وبرامج إلى صراع على النفوذ والمواقع. فحين تُقصى التعددية، لا يخسر المختلفون وحدهم، بل يخسر النظام السياسي قدرته على إنتاج البدائل. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الهيمنة، أي أن غياب البديل يصبح جزءاً من بنية الأزمة نفسها.
من يملك شجاعة المراجعة؟
المشكلة إذن ليست في غياب المبادرات، بل في طبيعة المبادرات المطلوبة. فالمرحلة لا تحتاج إلى خطوات شكلية تعيد ترتيب المشهد القديم، وإنما إلى مراجعة تسأل بصراحة: ماذا بقي من الرؤية التي حكمت المرحلة السابقة؟ وما الذي نجح وما الذي فشل؟ وما طبيعة المرحلة التي دخلها المشروع الوطني الآن؟ وما موقع السلطة فيها؟ وما موقع المنظمة؟ وكيف يعاد بناء النظام السياسي على قاعدة الشراكة والتعددية وتداول السلطة؟
والأهم: هل يمكن أن تأتي هذه المراجعة من القيادة نفسها التي كرست، طوال سنوات، مركزية القرار وأدارت المسار الذي أوصل إلى هذه النتائج؟ هنا لا يتعلق الأمر بالتشكيك في النوايا، بل بطبيعة التحول المطلوب. فالذي أنتج الأزمة، أو شارك في إنتاج شروطها، لا يستطيع حلها بالأدوات نفسها التي ساهمت في صنعها.
الانتخابات ليست جواباً بذاتها
حتى الانتخابات، على أهميتها، لا تصبح حلاً لمجرد إجرائها. فالانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية، لكنها لا تعيد وحدها بناء النظام السياسي. قيمتها الحقيقية تتوقف على نزاهتها، وتكافؤ فرصها، وقبول نتائجها، وعلى أن تكون جزءاً من عملية إعادة بناء سياسي أوسع، لا أداة لإعادة إنتاج التوازنات القائمة. والسؤال الأهم ليس فقط: متى تجرى الانتخابات؟ بل: أي نظام سياسي ستنتجه؟ هل تعيد إنتاج مركزية القرار، أم تفتح الطريق أمام التعددية والشراكة وتداول السلطة؟
من أزمة فتح إلى أزمة النظام السياسي
ومن هنا تأتي أزمة فتح، لا بوصفها أصل الأزمة، وإنما بوصفها أحد مظاهرها. فما أصاب الحركة من انقسام وتراجع للتعددية وتنافس بين مراكز النفوذ لا يمكن فصله عن التحول الأوسع الذي نقلها تدريجياً من حركة وطنية ذات تعددية واسعة إلى حزب شديد الارتباط بالسلطة ومركزية القرار الذي يتحكم به مجموعة ضيقة و تتقلص باستمرار حتى باتت في أضيق قاعدة اجتماعية.
وكان من مصادر قوة فتح التاريخية أنها استطاعت استيعاب اتجاهات متعددة تحت سقف المشروع الوطني. أما إضعاف هذه التعددية فقد أضعف قدرتها على التجدد، كما أضعف الحياة السياسية الفلسطينية بمجملها.
ولعل ما أعلنه القيادي الفلسطيني البارز سمير مشهراوي من استخلاص جوهري مفاده أن معالجة أزمة فتح لا يمكن أن تنجح بمعزل عن معالجة الأزمة الوطنية يلامس جوهر المسألة؛ إذ لا يمكن معالجة أحد أعراض الأزمة بمعزل عن بنيتها الأوسع، وهي كيف تستعيد منظمة التحرير مكانتها ودورها كجبهة وطنية عريضة تضم مختلف القوي السياسية والاجتماعية والشخصيات الوطنية، بما في ذلك حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
فالمطلوب ليس فقط استعادة وحدة تنظيمية، بل استعادة التعددية التي تجعل الوحدة ذات معنى، وليس فقط جمع التيارات، بل فتح المجال أمام اختلافها وإسهامها في إنتاج رؤية وطنية جديدة.
من إدارة الأزمة إلى الخروج منها
لقد طال زمن إدارة الأزمة، وربما آن الأوان لمراجعة أسبابها. فالمطلوب ليس تغيير الأشخاص فقط، بل تغيير قواعد إنتاج القرار. وليس ترميم الأطر القائمة، بل إعادة بناء العلاقة بين السلطة والمنظمة والحركة الوطنية. وليس مجرد إجراء الانتخابات، بل جعلها مدخلاً حقيقياً إلى تداول السلطة وتجديد الشرعية.
إن الفلسطينيين وبقدر حاجتهم إلى سلطة أكثر قدرة على إدارة الأزمة، فهم أيضًا بحاجة إلى نظام سياسي قادر على إنتاج البدائل؛ وإلى منظمة تحرير تستعيد دورها الجامع وطابعها الجبهوي؛ وإلى حياة سياسية تستعيد تعدديتها؛ وإلى قرار وطني يستمد شرعيته من الشعب والمؤسسات.
فاللحظة الفلسطينية لا تحتاج إلى ترميم عوامل الأزمة، بل إلى الخروج منها، وإعادة بناء البيت الوطني على أسس التعددية والشراكة والمؤسسات والمشروع الوطني القابل للحياة، وذلك ليس قبل التوافق، الذي لا يحتمل التأجيل، لبلورة آليات وطنية لاسعاف غزة من جرحها الدامي، وانقاذ الضفة من الداعشية الصهيونية التي باتت تهدد حياة الناس وقدرتها على البقاء.







