تل أبيب - كشفت تقارير صحفية إسرائيلية عن تفاصيل جديدة بشأن اتصالات غير معلنة يُزعم أنها جرت بين مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقيادات في حركة حماس خلال عملية «الجرف الصامد» التي اندلعت في قطاع غزة عام 2014، مشيرة إلى أن هذه الاتصالات جرت بالتوازي مع المفاوضات الرسمية التي كانت تجري بوساطة مصرية في القاهرة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار.
وبحسب الرواية التي أوردتها وسائل إعلام إسرائيلية، لعب رجل الأعمال الإسرائيلي شلومي فوغل دورًا محوريًا في هذه الاتصالات، من خلال تواصله مع غازي حمد، أحد المسؤولين البارزين في حركة حماس في قطاع غزة.
وتشير التقارير إلى أن القناة غير الرسمية أثارت استغراب عدد من كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، خصوصًا أن وفدًا أمنيًا إسرائيليًا كان يجري في الوقت نفسه مفاوضات رسمية وغير مباشرة مع ممثلي الفصائل الفلسطينية في القاهرة.
مفاوضات موازية خلال «الجرف الصامد»
اندلعت عملية «الجرف الصامد» في يوليو/تموز 2014 واستمرت 51 يومًا، وشهدت مواجهات واسعة بين إسرائيل والفصائل المسلحة في قطاع غزة، إلى جانب إطلاق صواريخ باتجاه مناطق إسرائيلية، بينها تل أبيب.
وخلال الحرب، أرسلت الحكومة الإسرائيلية وفدًا أمنيًا إلى القاهرة للمشاركة في جهود التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. وضم الوفد مسؤولين كبارًا من الأجهزة الأمنية والجيش الإسرائيلي، وكانت المفاوضات تجري عبر الوسيط المصري.
لكن التقارير الجديدة تتحدث عن وجود مسار آخر للمفاوضات، لم يكن جزءًا من القناة الرسمية، وكان يتم عبر رجل الأعمال شلومي فوغل.
ووفق هذه الرواية، كان فوغل يتواصل مع غازي حمد، فيما كان يقدم نفسه باعتباره يحمل رسائل من المستوى السياسي الإسرائيلي.
دور شلومي فوغل
بحسب التقارير، أثارت الاتصالات انتباه مسؤولين أمنيين إسرائيليين بعدما تبين أن فوغل يجري اتصالات متقدمة مع مسؤول في حماس في الوقت الذي كان فيه الوفد الإسرائيلي الرسمي يعمل على المهمة نفسها في القاهرة.
وتشير الرواية إلى أن مسؤولين أمنيين أبلغوا نتنياهو بهذه الاتصالات، وحذروا من أن وجود قناة تفاوضية موازية قد يؤدي إلى إرباك المسار الرسمي للمفاوضات.
وبحسب ما نقلته التقارير، نفى نتنياهو في البداية معرفته بهذه الاتصالات، ثم جرى استدعاء فوغل وتحذيره من مواصلة التواصل مع حماس.
إلا أن القصة، وفق الرواية الصحفية، لم تنته عند هذا الحد، إذ يُقال إن الاتصالات استؤنفت لاحقًا.
وتزعم التقارير كذلك أن فوغل، خلال مواجهة لاحقة مع مسؤولين إسرائيليين، أكد أنه لم يكن يتصرف بمبادرة شخصية، وأنه كان يعمل بتفويض من المستوى السياسي.
علاقة مزعومة بيوسي كوهين
وتتضمن الرواية المنشورة إشارات إلى دور يوسي كوهين، الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي.
وبحسب التقرير، كان كوهين على اتصال بفوغل، وأن نتنياهو تدخل في مرحلة معينة مطالبًا بوقف هذه الاتصالات.
كما تشير الرواية إلى أن إيال زامير، الذي يشغل حاليًا منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، كان حاضرًا في إحدى الوقائع التي جرى خلالها بحث الموضوع داخل مكتب رئيس الوزراء، عندما كان يشغل منصب السكرتير العسكري لنتنياهو.
غير أن هذه التفاصيل تبقى، في الوقت الراهن، ضمن الرواية الصحفية التي نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، ولا تعني بحد ذاتها ثبوت المسؤولية أو صدور إقرار رسمي من الأطراف المعنية.
تناقض بين الخطاب السياسي والممارسة
وتعيد هذه القضية فتح النقاش داخل إسرائيل حول سياسة نتنياهو تجاه حركة حماس على مدى سنوات.
فمنذ عودته إلى رئاسة الحكومة عام 2009، تبنى نتنياهو خطابًا سياسيًا وأمنيًا شديد اللهجة تجاه حماس، وتعهد في مناسبات مختلفة بمنع الحركة من ترسيخ حكمها في قطاع غزة.
لكن حكوماته اتبعت في السنوات اللاحقة سياسة ركزت بدرجة كبيرة على احتواء الحركة ومنع اندلاع حروب واسعة، إلى جانب التوصل إلى تفاهمات غير مباشرة معها عبر وسطاء إقليميين ودوليين.
وشملت هذه السياسة السماح، ضمن ترتيبات مختلفة، بإدخال مساعدات وأموال إلى قطاع غزة، إلى جانب التفاوض غير المباشر حول وقف إطلاق النار وملفات الأسرى والتهدئة.
ويرى منتقدو نتنياهو أن هذه السياسة ساهمت في إطالة أمد حكم حماس في غزة، بينما يقول مؤيدوه إن البديل كان يتمثل في احتلال القطاع وإدارة شؤونه، وهو خيار كانت له تكلفة عسكرية وسياسية وإنسانية مرتفعة.
صفقة شاليط والجدل حول سياسة الاحتواء
ويستند منتقدو سياسة نتنياهو أيضًا إلى صفقة تبادل الأسرى التي جرت عام 2011، والتي أُطلق بموجبها سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط مقابل أكثر من ألف أسير فلسطيني.
وكان من بين الأسرى الذين أُطلق سراحهم يحيى السنوار، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز قادة حماس.
ويستخدم منتقدو نتنياهو هذه الصفقة بوصفها مثالًا على الفارق بين الخطاب السياسي الصارم تجاه حماس وبين القرارات العملية التي اتخذتها حكوماته في ملفات الأسرى والتهدئة.
لكن الربط المباشر بين هذه القرارات وبين أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 يظل موضوعًا سياسيًا وتفسيريًا محل خلاف، ولا يمكن اختزاله في واقعة واحدة أو قرار منفرد.
عملية «الجرف الصامد» ونقاش الأنفاق
خلال حرب 2014، برزت قضية الأنفاق الهجومية التي حفرتها حماس باتجاه الأراضي الإسرائيلية، وأصبحت إحدى أكثر القضايا الأمنية إثارة للجدل داخل الحكومة الإسرائيلية.
وكان نفتالي بينيت، الذي كان يشغل منصب وزير الاقتصاد آنذاك، من أبرز الوزراء الذين ضغطوا علنًا من أجل التعامل بصورة أكثر حزمًا مع تهديد الأنفاق.
وتقول الروايات الإسرائيلية المتعلقة بتلك الفترة إن الخلافات داخل الحكومة لم تكن محصورة في حجم العملية العسكرية، بل شملت أيضًا الهدف النهائي للحرب وما إذا كان ينبغي توجيه ضربة شاملة إلى بنية حماس أو الاكتفاء بإعادة الهدوء ومنع التصعيد.
قنوات اتصال سرية ليست سابقة في السياسة الإسرائيلية
وتضع التقارير الجديدة قضية فوغل ضمن سياق أوسع من استخدام الحكومات الإسرائيلية قنوات خلفية للتواصل مع خصومها.
فقد استخدمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وسطاء ورجال أعمال ومسؤولين سابقين في محاولات لفتح قنوات اتصال مع أطراف لا توجد معها علاقات دبلوماسية رسمية.
ومن الأمثلة التي تُستحضر في هذا السياق اتصالات غير رسمية ارتبطت خلال تسعينيات القرن الماضي بمفاوضات إسرائيلية-سورية، وكذلك قنوات الاتصال غير المباشرة مع حماس في ملفات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.
غير أن وجود قناة خلفية بحد ذاته لا يثبت أنها كانت تمثل سياسة رسمية للدولة، إذ يتطلب ذلك أدلة مستقلة على التفويض السياسي وطبيعة التعليمات التي تلقاها المشاركون فيها.
نتنياهو ينفي الرواية
في المقابل، نفى مكتب نتنياهو ما ورد في التقارير المتعلقة بإجراء مفاوضات سرية مباشرة مع حماس عبر فوغل.
ويؤكد موقف مكتب رئيس الوزراء أن الرواية غير صحيحة، وأن الاتصالات المنسوبة إلى فوغل لا تمثل تفويضًا رسميًا من نتنياهو.
كما وردت نفيّات من جانب فوغل بشأن بعض التفاصيل التي أُثيرت حول دوره وطبيعة علاقته بمسؤولين في مكتب رئيس الوزراء.
وبالتالي، فإن الصورة المتاحة حاليًا تتكون من رواية صحفية تستند إلى شهادات ومعلومات من مصادر إسرائيلية، في مقابل نفي واضح من مكتب نتنياهو والأطراف التي وردت أسماؤها في القضية.
ما الذي يمكن إثباته وما الذي لا يزال موضع ادعاء؟
المؤكد أن إسرائيل خاضت حربًا واسعة مع حماس عام 2014، وأن مفاوضات وقف إطلاق النار جرت في القاهرة بوساطة مصرية، وأن إسرائيل استخدمت عبر السنوات قنوات غير مباشرة للتواصل مع حماس في ملفات التهدئة والأسرى.
أما الادعاء بأن نتنياهو أصدر شخصيًا تعليمات سرية لفوغل للتفاوض المباشر مع حماس في 2014، وأنه حاول لاحقًا إخفاء هذه القناة عن المؤسسة الأمنية، فهو ادعاء وارد في تقارير صحفية ويحتاج إلى مزيد من الأدلة المستقلة قبل التعامل معه كحقيقة محسومة.
وتكتسب القضية أهمية إضافية لأنها تأتي في سياق الجدل الإسرائيلي المستمر حول مسؤولية القيادة السياسية عن سياسة التعامل مع حماس قبل هجوم 7 أكتوبر 2023، وحول ما إذا كانت سياسة الاحتواء والتهدئة قد ساهمت في تعزيز الحركة بدلًا من إضعافها.
وفي ظل استمرار الخلاف بين الروايات، تبقى الوثائق ومحاضر الاجتماعات وشهادات المسؤولين المشاركين في تلك الفترة هي العناصر الأكثر أهمية لحسم حقيقة القناة التي يُقال إنها ربطت مكتب نتنياهو مباشرة بقيادة حماس خلال حرب 2014.







