بروكسل – يواجه عدد من الطلاب والباحثين الفلسطينيين من قطاع غزة خطر فقدان فرص دراسية حصلوا عليها في جامعات بلجيكية، بعدما تعثرت جهود إجلائهم من القطاع بسبب خلافات داخل الحكومة الائتلافية البلجيكية بشأن تنظيم عمليات مغادرة جديدة من غزة.
وبحسب تقرير نشرته «بوليتيكو» في 26 أغسطس/آب 2026، حصل طلاب وباحثون من غزة خلال يونيو/حزيران الماضي على عروض للالتحاق ببرامج دراسية وأكاديمية في جامعات بلجيكية، من بينها معهد الطب الاستوائي، وجامعة هاسيلت، وجامعة أنتويرب، إلا أن توقف عمليات الإجلاء البلجيكية جعل حصولهم على المنح غير كافٍ للوصول إلى البلاد.
منح جامعية من دون إمكانية مغادرة غزة
وتتمثل المشكلة الرئيسية في أن الفلسطينيين الموجودين في قطاع غزة لا يستطيعون حاليًا التنقل بحرية من وإلى القطاع، ما يجعل الحصول على منحة أو تأشيرة دخول غير كافٍ وحده لبدء الدراسة في الخارج.
وأشار التقرير إلى أن دولًا أخرى، بينها إيطاليا والمملكة المتحدة، أنشأت برامج لمساعدة الطلاب الفلسطينيين على مغادرة غزة والالتحاق بمؤسسات تعليمية في الخارج.
وفي الحالة البلجيكية، تمكن اثنان من أربعة طلاب وباحثين تحدثت إليهم «بوليتيكو» من الحصول على تأشيرات بمساعدة محامين في بلجيكا، رغم أن الإجراءات تتطلب، من حيث الأصل، تقديم طلبات التأشيرة بصورة شخصية في بعثة دبلوماسية بلجيكية.
لكن التأشيرة لا تحل المشكلة الأساسية، إذ لا يملك الطلاب والباحثون الذين حصلوا على مقاعد ممولة حاليًا وسيلة فعلية للوصول إلى بلجيكا.
انقسام داخل الائتلاف الحاكم
ويكشف ملف الإجلاء عن خلافات داخل الحكومة البلجيكية برئاسة رئيس الوزراء بارت دي ويفر، إذ لا يوجد اتفاق حكومي بشأن تنظيم عمليات إضافية لإخراج الطلاب والباحثين من غزة.
ونقلت «بوليتيكو» عن متحدث باسم وزيرة الهجرة آنيلين فان بوسويت أن عمليات الإجلاء تقع ضمن اختصاص وزارة الخارجية، لكنه أقر بعدم وجود إجماع داخل الحكومة حاليًا بشأن هذه المسألة.
في المقابل، قالت وزارة الخارجية البلجيكية، التي يقودها وزير الخارجية ماكسيم بريفو، إنها تدرس بجدية السبل الممكنة لمساعدة الطلاب، لكنها أوضحت أنه لا يوجد قرار حكومي في الوقت الراهن لتنظيم عمليات إجلاء إضافية، وأن أي قرار من هذا النوع مسؤولية الحكومة الائتلافية ككل.
وبحسب مسؤولين حكوميين بلجيكيين تحدثا إلى «بوليتيكو» دون الكشف عن هويتيهما، فإن الائتلاف الحاكم منقسم بشأن عدد من الملفات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، مشيرين إلى معارضة حزب التحالف الفلمنكي الجديد وحزب الحركة الإصلاحية لعمليات الإجلاء الإضافية.
الجامعات تضغط على الحكومة
ودفعت الأزمة الجامعات البلجيكية إلى مطالبة الحكومة بالتحرك لتوفير ممر آمن للطلاب والباحثين المقبولين في برامجها.
ووقّع عشرة رؤساء جامعات بلجيكية في يوليو/تموز رسالة موجهة إلى دي ويفر وبريفو، طالبوا فيها الحكومة بالمساعدة في تنظيم مغادرة آمنة للطلاب والباحثين الفلسطينيين.
وقالت آن وييمبيرغ، نائبة رئيس جامعة بروكسل الحرة، إن الجامعة من المقرر أن تستضيف طالبين وثلاثة باحثين فلسطينيين من غزة، معتبرة أن عدم توفير وسيلة لإجلائهم يتناقض مع منحهم فرصًا أكاديمية في المؤسسات البلجيكية.
وأكدت وييمبيرغ أن الجامعات لا تطالب بإعفاء الطلاب من متطلبات الهجرة والأمن، وإنما تريد إيجاد آلية عملية وقانونية لتطبيق هذه المتطلبات في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة.
«إيطاليا فعلتها».. نماذج أوروبية لإجلاء الطلاب
وتشير القضية البلجيكية إلى تفاوت بين مواقف الدول الأوروبية تجاه الطلاب الفلسطينيين الراغبين في مواصلة تعليمهم خارج غزة.
ففي مايو/أيار 2026، أطلقت إيطاليا ما وصفته بـ«الممر الجامعي» للطلاب الفلسطينيين، ما أتاح لأكثر من 70 طالبًا الالتحاق بجامعات إيطالية، رغم استمرار انتظار عشرات الطلاب الحصول على تصاريح المغادرة.
كما أطلقت المملكة المتحدة برنامجًا مشابهًا لتوفير منح دراسية للطلاب الفلسطينيين من غزة.
وساعدت المفوضية الأوروبية في السابق في عمليات إجلاء من القطاع لأغراض العلاج الطبي، لكنها أوضحت أن إجلاء الطلاب لأغراض الدراسة يقع ضمن مسؤولية الدول الأعضاء المعنية.
طلاب يستعدون لإعادة إعمار غزة
وتكتسب القضية أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة التخصصات التي يدرسها عدد من الطلاب والباحثين المقبولين في الجامعات البلجيكية، والتي ترتبط بصورة مباشرة باحتياجات غزة في مرحلة ما بعد الحرب.
ومن بين الحاصلين على المنح سلوى أبو الحاج، وهي خريجة إدارة أعمال من غزة حصلت على مقعد ممول في برنامج ماجستير علوم الاتصال في جامعة لوفين الكاثوليكية.
وقالت أبو الحاج إن تجربتها في الدراسة خلال الحرب والمجاعة دفعتها إلى التخصص في مجال الاتصالات، بعدما لاحظت الصعوبات التي واجهتها المنظمات الإنسانية في إيصال رسائلها إلى المانحين والشركاء الدوليين.
كما حصل أحمد الصليبي على منحة ما بعد الدكتوراه في جامعة بروكسل الحرة، حيث يعتزم دراسة استخدام الذكاء الاصطناعي لمساعدة الأنظمة الصحية محدودة الموارد على توجيه سيارات الإسعاف إلى المناطق الأكثر احتياجًا.
أما الباحث زهير دردونه، الذي اختارته الجامعة نفسها، فيخطط لإجراء أبحاث حول تأثير الحرب والنزوح وتدمير البنية التحتية على انتشار الأمراض المعدية في غزة.
بلجيكا بين الموقف السياسي والقيود الداخلية
وتضع أزمة الطلاب السياسة البلجيكية تجاه القضية الفلسطينية أمام اختبار عملي؛ فبروكسل اتخذت خلال الفترة الماضية مواقف مؤيدة للفلسطينيين، بما في ذلك التعهد بالاعتراف بدولة فلسطين وفرض عقوبات مرتبطة بالمستوطنات في الضفة الغربية، إلى جانب الدعوة إلى تحرك أوروبي في الاتجاه نفسه.
لكن هذه السياسة تواجه قيودًا داخل الائتلاف الحاكم، خصوصًا في الملفات المتعلقة بالهجرة واستقبال الأجانب.
وبينما تؤكد وزارة الخارجية أنها تبحث عن حلول لمساعدة الطلاب، لا تزال الحكومة منقسمة بشأن تنظيم عمليات إجلاء جديدة من غزة، الأمر الذي يهدد بتحويل المنح الجامعية التي حصل عليها الطلاب إلى فرص أكاديمية غير قابلة للتحقق على أرض الواقع.
وتخلص القضية إلى مفارقة واضحة: جامعات بلجيكية فتحت أبوابها لطلاب وباحثين من غزة، لكن هؤلاء لا يملكون حتى الآن الطريق الآمن للوصول إليها.







