تل أبيب - تواصل تركيا توسيع حضورها البحري وتعزيز قدراتها العسكرية في البحار المحيطة بها، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة، بينما تراقب إسرائيل هذا التحول بقلق متزايد، خصوصاً في ظل ارتباط مصالحها الأمنية والاقتصادية بشرق المتوسط.
وبحسب تقرير للقناة 12 الإسرائيلية، تعمل تركيا حالياً على بناء 47 سفينة حربية لصالح قواتها البحرية، بالتوازي مع تطوير قطاع دفاعي بحري محلي أصبح قادراً على توفير نسبة كبيرة من احتياجات الأسطول التركي، فضلاً عن إنتاج منصات وسفن مخصصة للتصدير إلى دول أخرى.
ويعكس هذا التوسع تحولاً تدريجياً في السياسة الدفاعية التركية، إذ لم تعد أنقرة تعتمد بالدرجة نفسها على استيراد القطع البحرية، بل تعمل على بناء قاعدة صناعية قادرة على تصميم وتطوير وإنتاج مجموعة واسعة من المنصات البحرية محلياً.
مخاوف إسرائيلية من التوسع التركي
ويثير تنامي القوة البحرية التركية اهتماماً خاصاً في إسرائيل، التي تنظر إلى شرق المتوسط باعتباره مجالاً حيوياً لأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، بما في ذلك منشآت الغاز الطبيعي وشبكات البنية التحتية البحرية وخطوط الاتصالات.
وقال قائد البحرية الإسرائيلية السابق إليعازر تشيني ماروم إن تنامي الحضور التركي في البحر المتوسط يمكن أن يفرض تحديات جديدة على إسرائيل، داعياً إلى إعادة النظر في الاستراتيجية البحرية الإسرائيلية وتعزيز قدرات الأسطول.
وحذّر ماروم من أن توسع النشاط التركي قد تكون له انعكاسات على عدد من المشاريع الإقليمية، بما في ذلك خطوط أنابيب الغاز والمنشآت البحرية وكابلات الألياف الضوئية، وهي بنية تحتية تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة بالنسبة إلى إسرائيل ودول المنطقة.
ويرى المسؤول العسكري الإسرائيلي السابق أن التطورات الحالية تستدعي تبني رؤية طويلة الأمد، بحيث تصبح البحرية عنصراً أكثر مركزية في منظومة الأمن القومي، مع زيادة القدرة على حماية المصالح والمنشآت الإسرائيلية في البحر المتوسط.
«الوطن الأزرق».. استراتيجية تتجاوز البعد العسكري
ويأتي تعزيز الأسطول التركي في إطار رؤية استراتيجية ترتبط بمشروع الرئيس رجب طيب أردوغان المعروف باسم «قرن تركيا»، إلى جانب عقيدة «الوطن الأزرق»، التي تمنح المجال البحري أهمية كبيرة في السياسة الخارجية والأمنية التركية.
وتشمل هذه الرؤية البحر الأسود وبحر إيجة وشرق المتوسط، حيث تسعى أنقرة إلى ترسيخ ما تعتبره حقوقها ومصالحها البحرية، بما في ذلك المناطق المرتبطة بموارد الطاقة والنفوذ الجيوسياسي.
ولا تنظر تركيا إلى القوة البحرية باعتبارها أداة عسكرية فقط، وإنما كوسيلة لدعم مصالحها الاقتصادية وتعزيز قدرتها على التأثير في ملفات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، يستحضر أردوغان بصورة متكررة إرث القائد البحري العثماني خير الدين بربروس، في إطار تأكيد أهمية السيطرة والنفوذ البحريين ضمن التصور التركي لدور البلاد الإقليمي.
صناعة دفاعية بحرية تتوسع
وتزامن التوسع العسكري مع نمو ملحوظ في الصناعات الدفاعية التركية، التي انتقلت خلال العقود الماضية من الاعتماد الكبير على الواردات إلى تطوير منظومات ومنصات محلية.
وشهدت قاعدة غولجوك البحرية قرب إسطنبول خلال الأيام الماضية حضور آلاف الأتراك لمشاهدة السفن والمنصات الرئيسية التي طورتها الصناعات الدفاعية المحلية، في مشهد عكس رغبة أنقرة في إبراز القدرات المتنامية لقطاعها البحري.
وبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، لا تقتصر خطط البناء على السفن المخصصة للبحرية التركية، إذ تعمل الصناعات الدفاعية التركية أيضاً على إنتاج 24 منصة بحرية لصالح دول أجنبية.
ويشير ذلك إلى أن القطاع البحري التركي يتحول تدريجياً من قطاع يركز على تلبية الاحتياجات المحلية إلى صناعة تصديرية يمكن أن تمنح أنقرة أدوات إضافية لتعزيز علاقاتها العسكرية والاستراتيجية مع دول أخرى.
تركيا واليونان.. صراع على النفوذ والموارد
ويكتسب هذا التوسع أهمية أكبر في ظل الخلافات المتواصلة بين تركيا واليونان بشأن الحدود والمناطق البحرية وحقوق التنقيب عن موارد الطاقة في شرق المتوسط.
وتنظر أثينا إلى التحركات البحرية التركية باعتبارها تحدياً لمصالحها وحقوقها التي تتمسك بها في المناطق البحرية المتنازع عليها، فيما تؤكد أنقرة بدورها أنها تتحرك للدفاع عن مصالحها وحقوقها البحرية.
وقال وزير الخارجية اليوناني جورجيوس غرافتيريتيس إن بلاده مستعدة للرد على أي خطوات تركية تعتبرها انتهاكاً لحقوقها، مشيراً إلى امتلاك أثينا خيارات متعددة للتعامل مع التطورات في المنطقة.
وبذلك لا تبدو المنافسة البحرية التركية مجرد سباق على عدد السفن والمنصات، بل جزءاً من صراع أوسع على النفوذ والحدود البحرية وموارد الطاقة والبنية التحتية الاستراتيجية في شرق المتوسط.
فارق كبير في الحجم بين الأسطولين
وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن الأسطول التركي يُعد الأكبر في البحر المتوسط والعاشر عالمياً، بينما تحتل البحرية الإسرائيلية المرتبة الثانية والثلاثين عالمياً من حيث حجم الأسطول.
ورغم ذلك، فإن المقارنة العددية لا تعكس وحدها موازين القوة البحرية، إذ تمتلك إسرائيل قدرات نوعية متقدمة في مجالات مختلفة، فيما تستند تركيا إلى حجم أكبر وإلى قاعدة صناعية بحرية آخذة في التوسع.
ومن شأن استمرار أنقرة في بناء السفن والمنصات محلياً أن يمنحها قدرة أكبر على زيادة حجم أسطولها وتحديثه، فضلاً عن تقليص اعتمادها على الموردين الخارجيين.
انعكاسات استراتيجية على إسرائيل
ويضع التوسع التركي إسرائيل أمام معادلة بحرية أكثر تعقيداً، خصوصاً مع تزايد أهمية شرق المتوسط بالنسبة إلى الاقتصاد الإسرائيلي ومشاريع الطاقة والاتصالات.
وفي الوقت الذي تواصل فيه تركيا تعزيز وجودها البحري وتطوير صناعاتها الدفاعية، تبدو إسرائيل أمام حاجة متزايدة إلى تحديد كيفية التعامل مع صعود قوة بحرية إقليمية كبيرة بالقرب من مناطق تعتبرها حيوية لأمنها ومصالحها الاقتصادية.
وبالتالي، فإن 47 سفينة حربية قيد البناء لا تمثل مجرد زيادة في حجم الأسطول التركي، بل تعكس توجهاً استراتيجياً طويل الأمد تسعى من خلاله أنقرة إلى تحويل قوتها البحرية والصناعية إلى نفوذ سياسي واقتصادي أوسع، في وقت يتجه فيه شرق المتوسط إلى مزيد من التنافس حول الأمن والطاقة والمجال البحري.







