وكالات - أنهت الأسهم الأميركية أسبوعاً اتسم بالتقلبات على ارتفاع، مدعومة ببيانات اقتصادية أظهرت استمرار قوة نشاط الأعمال في الولايات المتحدة، في وقت يواصل فيه المستثمرون تقييم تداعيات الارتفاع الأخير في عوائد سندات الخزانة، وما قد يترتب عليه من تأثيرات في الأسواق المالية وتوقعات أسعار الفائدة.
ووسعت الأسهم مكاسبها خلال أغسطس، بعدما أظهرت البيانات تسارع نشاط الأعمال الأميركي إلى أقوى وتيرة له منذ أكثر من أربع سنوات، ما عزز التفاؤل بشأن متانة الاقتصاد، لكنه أبقى في الوقت نفسه المخاوف المتعلقة بالتضخم وأسعار الفائدة المرتفعة حاضرة في حسابات المستثمرين.
وارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 1%، فيما تمكن ناسداك 100 من وقف سلسلة خسائر امتدت خمسة أيام متتالية، مع توجه أنظار الأسواق إلى نتائج شركة إنفيديا المرتقبة يوم الأربعاء، والتي يُنظر إليها باعتبارها أحد أبرز الاختبارات المقبلة لشهية المستثمرين تجاه أسهم الذكاء الاصطناعي.
وفي أسواق الأصول الأخرى، ارتفعت بتكوين إلى نحو 77 ألف دولار، بينما سجلت سندات الخزانة الأميركية خسائر طفيفة، في حين أنهى النفط تعاملات الأسبوع على مكاسب.
عوائد السندات تحت المجهر
ويأتي تحسن الأسهم في وقت لا تزال فيه أسواق السندات تشكل مصدر قلق رئيسياً للمستثمرين، بعد الارتفاع الحاد في عوائد الديون طويلة الأجل خلال الفترة الأخيرة، وسط مخاوف بشأن استمرار التضخم، إلى جانب القلق من مستويات الإنفاق الحكومي وارتفاع احتياجات الاقتراض.
ودفعت هذه التطورات السلطات الأميركية إلى البحث عن وسائل للحد من ارتفاع تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، بينما ينتظر المستثمرون مبادرة جديدة تعهد بها وزير الخزانة سكوت بيسنت بهدف المساعدة في ضبط الأوضاع المالية وتهدئة سوق السندات.
وقال جو ماهر من كابيتال إيكونوميكس إن عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل قد تستقر خلال الأسابيع المقبلة، مع احتمال عودة قدر من الهدوء إلى الأسواق بعد موجة التقلبات التي شهدتها أسواق السندات السيادية العالمية.
مخاوف بشأن الديون والفائدة والذكاء الاصطناعي
ورغم أن تراجع الأسهم خلال الأسبوع كان محدوداً، فإن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية تجاه المخاطر، بحسب مارك هاكيت من نايشن وايد.
وأوضح أن الضغوط الأخيرة على الأسهم ارتبطت بمجموعة من العوامل، من بينها إصدارات الديون، وتوقعات أسعار الفائدة، وتعثر التقدم في المحادثات مع إيران، إضافة إلى الشكوك المتعلقة بوتيرة التوسع في استثمارات البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وأشار هاكيت إلى أن هذه المخاطر ليست جديدة، إلا أن ارتفاع توقعات المستثمرين وتمركزاتهم في بعض الأصول جعلا الأسواق أكثر استعداداً للتفاعل بقوة مع أي مفاجآت سلبية.
وفي المقابل، لا ترى أولريكه هوفمان-بورشاردي، من مكتب رئيس الاستثمار لدى يو بي إس، أن الاضطرابات الحالية في سوق السندات تستدعي في الوقت الراهن خفض الانكشاف على الأسهم. لكنها ترى أن هذه التقلبات تعزز الحاجة إلى تنويع الاستثمارات داخل أسواق الأسهم.
فشل احتواء عوائد السندات قد يضغط على الدولار
ويحذر مايكل هارتنت من بنك أوف أميركا من أن فشل وزارة الخزانة الأميركية في تنفيذ خطتها لكبح ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل قد ينعكس سلباً على الدولار، كما قد يدفع المستثمرين إلى زيادة رهاناتهم على بيع الأصول الأعلى مخاطرة.
ويرى هارتنت أن هذه التداعيات قد تزداد أهمية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في نوفمبر، في ظل حساسية الأسواق تجاه السياسة المالية واتجاهات الإنفاق الحكومي.
من جهته، قال ستيفن براون من كابيتال إيكونوميكس إن جهود وزير الخزانة لإبقاء الطرف الطويل من منحنى العائد منخفضاً توفر آلية واضحة لإرسال إشارات إلى الأسواق بشأن توجهات السياسة المالية.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أهمية خطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش المرتقب في ندوة جاكسون هول الاقتصادية، إذ يمكن أن تكون إشارات البنك المركزي بشأن التضخم وأسعار الفائدة مؤثرة في مسار عوائد السندات خلال الفترة المقبلة.
جاكسون هول في مواجهة ترقب نتائج إنفيديا
وبينما تتركز أنظار شريحة من المستثمرين على نتائج إنفيديا، ترى آن ميليتي من أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس أن ندوة جاكسون هول قد تحمل أهمية أكبر للأسواق في المرحلة الحالية.
وتعكس هذه الرؤية حجم الاهتمام الذي توليه الأسواق لمسار السياسة النقدية الأميركية، خصوصاً في ظل استمرار حساسية المستثمرين تجاه التضخم وعوائد السندات وتكلفة الاقتراض.
وأكدت ميليتي أن التركيز الأساسي بالنسبة للمستثمرين ينبغي أن ينصب على قدرة الشركات نفسها على التعامل مع بيئة اقتصادية متغيرة، ولا سيما الشركات التي تتمتع بميزانيات قوية ومرونة مالية تمكنها من تجاوز فترات ارتفاع تكاليف التمويل وتقلب الأسواق.
المستثمرون بين قوة الاقتصاد ومخاطر السندات
ويضع الأداء الأخير للأسهم الأميركية المستثمرين أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة، تشير قوة نشاط الأعمال إلى استمرار متانة الاقتصاد الأميركي، وهو عامل داعم لأرباح الشركات والأسهم. ومن جهة أخرى، فإن قوة الاقتصاد قد تعني استمرار الضغوط التضخمية، ما قد يحد من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على تخفيف السياسة النقدية بالسرعة التي قد يرغب بها المستثمرون.
وبالتزامن مع ذلك، تظل مستويات العوائد طويلة الأجل عاملاً رئيسياً في تقييم الأسهم، خصوصاً أسهم التكنولوجيا والنمو التي تتأثر بصورة أكبر بتغيرات تكلفة رأس المال.
ومن المنتظر أن تتضح الصورة بصورة أكبر مع صدور نتائج إنفيديا، إلى جانب الإشارات التي ستصدر عن مسؤولي السياسة النقدية والمالية الأميركية، في وقت تحاول فيه الأسواق الموازنة بين قوة الاقتصاد من جهة، ومخاطر التضخم والديون وارتفاع تكاليف الاقتراض من جهة أخرى.







