متابعات - أظهر تقرير وتحليل أعدته منظمة "فايك ريبورتر" (FakeReporter) خصيصًا لـ"عرب 48"، أن موجات التحريض ضد الطواقم الطبية العربية في إسرائيل، وآخرها الحملة التي استهدفت كوادر عربية في مستشفى "رمبام" بمدينة حيفا، لا تبدو أحداثًا منفصلة أو عابرة، وإنما تأتي ضمن نمط متواصل من استهداف مهني واجتماعي للكوادر الطبية العربية عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وركز التقرير على الخطاب المتداول باللغة العبرية عبر منصة إكس، المعروفة سابقًا باسم "تويتر"، خلال الفترة الممتدة بين تموز/ يوليو 2025 وتموز/ يوليو 2026، بهدف تحديد الجهات التي تقود هذا الخطاب، والرسائل الأكثر تداولًا، والآليات التي تستخدمها الحسابات المختلفة في نشر المحتوى التحريضي وتضخيم انتشاره.
وخلص التقرير إلى أن جزءًا أساسيًا من هذا النشاط تقوده جهات محسوبة على اليمين الإسرائيلي المتطرف والمقرّب من الحكومة، إلى جانب شبكة من الحسابات المجهولة التي تعمل على إعادة إنتاج الرسائل ذاتها وتكثيف انتشارها، بما يساهم في خلق انطباع بوجود موجة غضب شعبي أوسع من حجمها الفعلي.
نحو 16 ألف منشور خلال عام
بحسب معطيات التقرير، جرى رصد نحو 16 ألف تغريدة ومنشور باللغة العبرية تناولت الأطباء العرب في إسرائيل خلال عام المراقبة، وحققت هذه المنشورات مجتمعة نحو 4 ملايين مشاهدة.
وصُنّف 41.7% من الخطاب الذي جرى رصده على أنه سلبي، مقابل 50.4% اعتُبر إيجابيًا، بينما بلغت نسبة الخطاب المحايد 7.9%.
ويرى التقرير أن هذه الأرقام لا تعكس فقط طبيعة المواقف المتداولة بشأن الأطباء العرب، بل تكشف كذلك عن محاولات منظمة لتوجيه النقاش الرقمي من خلال إعادة نشر روايات بعينها، خصوصًا في أعقاب أحداث أمنية أو تصريحات سياسية أو تقارير تنشرها وسائل إعلام محسوبة على اليمين.
ويشير التحليل إلى أن ارتفاع حجم الخطاب التحريضي لم يكن عشوائيًا، إذ سُجلت قفزات واضحة في النشاط الرقمي بعد تصريحات لسياسيين أو نشر تقارير في وسائل إعلام يمينية، وكذلك عقب أحداث أمنية وإخبارية وفرت مادة مناسبة لإعادة إنتاج الخطاب التحريضي.
سبعة حسابات رئيسية تقود الخطاب
حدد التقرير ما وصفه بـ"المحرك الأول" لموجات التحريض، ويتمثل في مجموعة من السياسيين وصناع الرأي والمنصات الإعلامية المحسوبة على اليمين الاستيطاني والكهاني.
ورصدت المنظمة سبعة حسابات مركزية يتابعها مجتمعة أكثر من 300 ألف شخص، واعتبرتها من أبرز مصادر إنتاج الخطاب السلبي وتوجيه النقاش.
ومن بين هذه الحسابات عضو الكنيست موشيه سعادة، والقناة 14، وموقع "الصوت اليهودي" (هاكول هايّهودي)، إلى جانب أييليت لاش، ويغئال مالكا، وإلحنان غرونر وأوسنات زوهار.
وبحسب التقرير، فإن أهمية هذه الحسابات لا تنبع فقط من حجم جمهورها، وإنما من قدرتها على تحديد الموضوعات التي تنتقل لاحقًا إلى دوائر أوسع من النقاش السياسي والإعلامي.
شبكة مجهولة تعيد إنتاج الرسائل
إلى جانب الحسابات المعروفة، رصد التقرير ما وصفه بـ"المحرك الثاني"، وهو شبكة تضم ثمانية حسابات مجهولة تنشط في إعادة نشر الرسائل التحريضية بأسلوب منظم يعتمد بصورة أساسية على النسخ واللصق.
وبحسب التحليل، نشرت هذه الحسابات مئات الردود المتشابهة أسفل منشورات السياسيين وصناع الرأي، واستخدم بعضها رموزًا وتعبيرات عنصرية، من بينها استخدام كلمة "السويديين" كاسم تحقيري للعرب.
ويقول التقرير إن الهدف من هذه الآلية لا يقتصر على نشر الرسالة ذاتها مرات متعددة، بل يتمثل أيضًا في إغراق النقاش بالتعليقات المتشابهة، بما يمكن أن يعطي انطباعًا بوجود تفاعل جماهيري واسع مع مضمون معين، رغم أن جزءًا كبيرًا من هذا النشاط صادر عن عدد محدود من الحسابات.
ووفق "فايك ريبورتر"، فإن الحسابات التي كانت نشطة في إنتاج وتضخيم الخطاب السلبي ضد الطواقم الطبية العربية خلال العام الماضي، عادت لتؤدي الدور ذاته خلال موجة التحريض الأخيرة ضد العاملين العرب في مستشفى "رمبام".
ادعاءات مضللة حول دراسة الطب
ويكشف التقرير أن جزءًا كبيرًا من الخطاب السلبي يستند إلى روايات وادعاءات تعتبرها المنظمة مضللة، ومن أبرزها الادعاء بأن الطلاب العرب الراغبين في دراسة الطب يحصلون على معاملة تفضيلية أو شروط قبول مخففة ضمن سياسة رسمية لـ"التمييز المصحح".
وبحسب التقرير، يشكل هذا الادعاء نحو 23% من الخطاب السلبي المرصود.
وتشير المنظمة إلى أن دراسة رسمية صادرة عن مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست خلصت إلى عدم وجود سياسة موحدة للتفضيل المصحح في دراسة الطب في إسرائيل.
كما يلفت التقرير إلى أن المسارات المخصصة لفئات محددة، ومنها العرب البدو في النقب والحريديون والمتحدرون من إثيوبيا، لا تتجاوز مجتمعة 3.6% من إجمالي المقبولين لدراسة الطب في البلاد.
قروض الدراسة في الخارج تتحول إلى مادة للتحريض
ومن الروايات التي رصدها التقرير أيضًا الادعاء بأن الدولة الإسرائيلية تمول دراسة المواطنين العرب في جامعات أردنية أو جامعات أخرى توصف في الخطاب التحريضي بأنها "داعمة للإرهاب".
ويشير التقرير إلى أن هذه الرواية تتجاهل طبيعة برنامج "أوفاكيم" التابع لوزارة الصحة، والذي يتيح قروضًا مشروطة للمواطنين الإسرائيليين الذين يدرسون الطب خارج البلاد، بما في ذلك في دول أوروبية.
ويشترط البرنامج على المستفيدين العودة إلى إسرائيل والتخصص في مناطق تعاني نقصًا في الكوادر الطبية، وفق المعايير المعتمدة للبرنامج.
تحويل الطواقم الطبية إلى "تهديد أمني"
ولا يتوقف الخطاب السلبي عند التشكيك في الكفاءة المهنية للأطباء العرب، إذ يرصد التقرير أن نحو 20% من الخطاب السلبي يقوم على تأطير الطواقم الطبية العربية باعتبارها تهديدًا أمنيًا أو "عدوًا من الداخل".
كما يشكل الخطاب الذي يصور زيادة حضور المواطنين العرب في جهاز الصحة باعتبارها نوعًا من "الاستيلاء الديموغرافي" نحو 16% من الخطاب السلبي.
ويعتبر التقرير أن هذه الرسائل تنقل النقاش من تقييم أداء الأطباء والكوادر الصحية على أساس مهني إلى التشكيك في انتمائهم وهويتهم، وربط حضورهم في مؤسسات الدولة بمفاهيم أمنية وديموغرافية.
"غرفة صدى" تعيد تدوير الخطاب
وقالت مديرة العلاقات العامة في "فايك ريبورتر" – القسم العربي، رماح مفيد، لـ"عرب 48"، إن المنظمة تتوقع استمرار محاولات استغلال قضايا مرتبطة بالمجتمع العربي لأغراض سياسية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات.
وأضافت أن نشطاء من اليمين المتطرف المؤيد للحكومة "يعملون بشكل ممنهج وينشرون يوميًا محتوى تحريضيًا"، معتبرة أن الترويج لمعلومات كاذبة يصبح جزءًا من هذه العملية عندما يخدم الأجندة السياسية.
وأشارت مفيد إلى أن المنظمة رصدت كذلك منشورات تحريضية ضد موظفين عرب في قطاع الهايتك، فضلًا عن موجة استهدفت المواطنين العرب في الجليل، إلا أن هذه الحملات لم تحقق الانتشار نفسه.
وترى أن ذلك يؤكد أن ليس كل خطاب تحريضي يتحول بالضرورة إلى قضية رأي عام، وأن نجاح الحملة يرتبط بقدرة الجهات المنظمة على دفعها إلى خارج الدائرة الرقمية التي بدأت فيها.
ووصفت مفيد البيئة التي يجري فيها هذا النشاط بأنها "غرفة صدى مغلقة"، تصنعها حسابات يمينية متطرفة وشبكات مجهولة تعتمد على إعادة تدوير المحتوى.
وقالت إن هذا التفاعل الدائري "يعيد تدوير نفس الرسائل التحريضية ويمنحها تضخيمًا رقميًا مصطنعًا"، بما يوحي بوجود غضب شعبي واسع، بينما يكون التفاعل في الواقع محصورًا إلى حد كبير داخل بيئة أيديولوجية محددة.
استغلال اللحظات الحساسة
بحسب مفيد، تتمتع هذه الشبكات بقدرة عالية على التحرك في الساعات الأولى لأي حدث، وتحويل قضية محدودة إلى موضوع للنقاش العام من خلال تكرار الرسائل وتوسيع نطاق تداولها.
وترى أن موجة التحريض الأخيرة ضد الطواقم الطبية العربية في "رمبام" تمثل نموذجًا واضحًا لهذه الآلية، إذ تمكنت الشبكات ذاتها من إعادة تنشيط الرسائل القديمة وربطها بالحدث الجديد.
وحذرت من أن هذه القدرة على "اختطاف النقاش العام" قد تصبح أكثر أهمية مع اقتراب الانتخابات، خصوصًا في ظل قابلية قضايا المجتمع العربي للتحول إلى مادة للمزايدات السياسية والاستقطاب الأمني.
وختمت مفيد بالتأكيد على أن قوة هذه الحملات تكمن في سرعة التضخيم وليس بالضرورة في حجم التأييد الشعبي الحقيقي، معتبرة أن ما يبدو أحيانًا كموجة غضب واسعة قد يكون في جانب منه نتيجة نشاط رقمي منظم صادر عن شبكة محدودة من الحسابات التي تعيد إنتاج الرسائل نفسها.
وتقدم نتائج التقرير، في المحصلة، صورة عن صراع يتجاوز مضمون المنشورات ذاتها إلى آليات صناعة الانتشار الرقمي؛ إذ لا يقتصر استهداف الطواقم الطبية العربية على التشكيك في مهنيتها، وإنما يتداخل مع روايات سياسية وأمنية وديموغرافية، يجري تضخيمها عبر تحالف غير معلن بين حسابات سياسية وإعلامية معروفة وشبكات مجهولة تعمل على إعادة تدويرها.
موقع عرب 48




