تل أبيب - قالت صحيفة «هآرتس» إن الإدارة الأميركية قبلت التفسير الإسرائيلي للغارات الأخيرة على جنوب لبنان، لكنها قد تطالب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بإظهار مزيد من ضبط النفس في جبهات أخرى، بالتزامن مع وصول مبعوثين أميركيين إلى إسرائيل هذا الأسبوع لبحث تطورات غزة والملفات الإقليمية.
أفادت صحيفة «هآرتس» بأن الولايات المتحدة قبلت التبريرات التي قدمتها إسرائيل بشأن الغارات التي شنتها على جنوب لبنان، والتي أسفرت عن مقتل 11 لبنانيًا، بينهم قيادي في حزب الله وزوجته وأطفاله، في أعقاب إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين بجروح خطيرة جراء انفجار طائرة مسيّرة مفخخة.
وبحسب الصحيفة، فإن التصعيد الأخير دفع الإدارة الأميركية إلى طلب توضيحات من الجانب الإسرائيلي بشأن ملابسات الهجمات، قبل أن تتبنى واشنطن الرواية الإسرائيلية المتعلقة باستهداف بنية تابعة لحزب الله.
وترى «هآرتس» أن الولايات المتحدة، رغم تفهمها للصعوبات السياسية الداخلية التي يواجهها نتنياهو، باتت أكثر اهتمامًا بسلوك الحكومة الإسرائيلية في جبهات أخرى، خصوصًا في قطاع غزة والضفة الغربية، إلى جانب التصريحات الإسرائيلية المتعلقة بسوريا.
إعلان إصابة الجنود قبل الجيش
وأشارت الصحيفة إلى أن مكتب نتنياهو أعلن، مساء السبت، باللغة الإنجليزية، إصابة الجنود الإسرائيليين الثلاثة، قبل صدور بيان رسمي من الجيش بشأن الحادثة.
وبحسب التقرير، جاء الإعلان بصورة مخالفة للإجراء المعتاد في الجيش الإسرائيلي، الذي يتجنب عادة الكشف عن إصابات الجنود قبل استكمال إجراءات إبلاغ عائلاتهم.
وتقول «هآرتس» إن إعلان مكتب نتنياهو عن الإصابات جاء في سياق محاولة تقديم صورة تبرر الغارات الإسرائيلية أمام الانتقادات الدولية، بعد سقوط عدد كبير من المدنيين اللبنانيين.
وبعد إعلان مكتب رئيس الحكومة، أصدر الجيش الإسرائيلي بيانًا تناول استهداف مقر لحزب الله، وقال إن الهجوم أدى إلى مقتل علي حسن، الذي وصفه بأنه قائد كتيبة في وحدة الرضوان، إلى جانب زوجته وأطفاله الأربعة.
وكان الجيش الإسرائيلي قد قال إن الغارات جاءت ردًا على هجوم بطائرة مسيّرة مفخخة أدى إلى إصابة ثلاثة من عناصر وحدة «يهلوم» بجروح خطيرة.
السفير الأميركي يتبنى الرواية الإسرائيلية
ووفق «هآرتس»، سارع السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي إلى إصدار بيان تبنى فيه التفسير الإسرائيلي للهجوم، في ظل الانتقادات التي وجهتها الحكومة اللبنانية إلى إسرائيل على خلفية سقوط المدنيين.
لكن الصحيفة تشير إلى أن هاكابي يواجه في الوقت نفسه ملفًا حساسًا يتعلق بأعمال عنف المستوطنين في الضفة الغربية، لافتة إلى أنه اضطر خلال الأيام الأخيرة إلى التعليق على اعتداءات ضد فلسطينيين، وعلى ما وصفته ببطء تعامل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مع هذه الأحداث.
وتقول الصحيفة إن المشاهد التي توثق أعمال العنف، إلى جانب ما تصفه باللامبالاة من جانب الجيش والشرطة، تثير قلقًا حتى لدى بعض أبرز مؤيدي نتنياهو داخل الإدارة الأميركية.
غزة والضفة تضعان واشنطن أمام اختبار جديد
ولا تقتصر مصادر التوتر بين واشنطن والحكومة الإسرائيلية على الجبهة اللبنانية، إذ تشير «هآرتس» إلى وجود خلافات بشأن إدارة الحرب في غزة، بعد رفض نتنياهو خطة النقاط الـ15 التي طرحها «مجلس السلام».
ورغم ذلك، تقول الصحيفة إن إسرائيل خففت جزءًا من عملياتها العسكرية ضد عناصر حماس، مع استمرار تنفيذ عمليات اغتيال بوتيرة أقل وتقديمها باعتبارها إجراءات لإحباط مخططات لتنفيذ هجمات.
كما لفت التقرير إلى تصريحات نتنياهو الأخيرة بشأن بريطانيا، والتي وصف فيها المملكة المتحدة بأنها «جمهورية إسلامية» تمتلك سلاحًا نوويًا، معتبرًا أن مثل هذه التصريحات تزيد من حالة عدم الارتياح في واشنطن.
خلافات بشأن الرئيس السوري
وتتوقع «هآرتس» كذلك أن تثير التصريحات الإسرائيلية المتزايدة ضد الرئيس السوري أحمد الشرع قلق الإدارة الأميركية، في ظل دعم الرئيس دونالد ترامب له.
وأشارت الصحيفة إلى تصريحات الوزير عميحاي شيكلي التي وصف فيها الشرع بأنه «العدو المقبل لإسرائيل»، معتبرًا أن مواجهة عسكرية معه قد تكون حتمية.
وترى الصحيفة أن هذه التصريحات والتسريبات الإسرائيلية قد تتعارض مع المسار الذي تحاول إدارة ترامب دفعه في المنطقة.
كوشنر وملادينوف وبلير في إسرائيل
ومن المقرر أن يصل إلى إسرائيل خلال الأسبوع الجاري جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي، ونيكولاي ملادينوف، المسؤول عن ملف غزة في «مجلس السلام»، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.
وبحسب «هآرتس»، ستكون غزة على رأس جدول أعمال الوفد، مع تركيز أميركي على تحقيق تقدم في تنفيذ الخطة المطروحة للقطاع.
وتشير الصحيفة إلى أن واشنطن اختارت حتى الآن عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع نتنياهو بسبب اعتراضاته على الخطة، في ظل إدراكها للضغوط السياسية التي يواجهها رئيس الحكومة الإسرائيلية مع اقتراب الانتخابات.
وفي المقابل، ترى الصحيفة أن صبر الإدارة الأميركية قد يكون محدودًا، خصوصًا أن ترامب يسعى إلى تحقيق إنجازات سياسية في الشرق الأوسط، في وقت تتواصل فيه التحركات لإدخال قوة دولية إلى غزة، إلى جانب الاستعدادات لنقل حكومة تكنوقراط فلسطينية من القاهرة إلى القطاع لتولي إدارته بدلًا من حماس.
«الحب الصارم» في مواجهة نتنياهو
وترى «هآرتس» أن إدارة ترامب قد تتجه خلال الفترة المقبلة إلى مطالبة إسرائيل بضبط النفس على أكثر من جبهة، وربما تقديم تنازلات سياسية يصعب على اليمين الإسرائيلي قبولها.
ورغم امتلاك ترامب أوراقًا يمكن أن تمثل مكاسب سياسية مهمة لنتنياهو، مثل إمكانية دعمه علنًا أو التدخل في ملف العفو عنه، فإن الرئيس الأميركي لم يُظهر حتى الآن استعدادًا لاستخدام هذه الأوراق لصالح رئيس الحكومة الإسرائيلية.
وتخلص الصحيفة إلى أن قدرة نتنياهو على المناورة في واشنطن قد تكون آخذة في التراجع، خصوصًا مع تصاعد الانتقادات داخل الإدارة الأميركية بشأن نتائج السياسة الإسرائيلية تجاه إيران والمنطقة.
ومع ذلك، تؤكد «هآرتس» أن الحديث عن نهاية نفوذ نتنياهو على ترامب لا يزال مبكرًا، لكنها ترى أن إسرائيل قد تواجه قريبًا اختبارًا عمليًا لما يمكن وصفه بـ «الحب الصارم» من جانب الإدارة الأميركية.




