واشنطن - كشفت وثائق رسمية قُدمت إلى وزارة العدل الأميركية عن حملة علاقات عامة ممولة وموجهة من الحكومة الإسرائيلية، تهدف إلى نشر محتوى مكثف يُصادر الحقائق ويدعم الرواية الإسرائيلية بشأن الحرب على قطاع غزة والجرائم المنسوبة للجيش الإسرائيلي.
وتعتمد الحملة أسلوباً هندسياً يضمن زيادة فرص ظهور المحتوى ضمن البيانات والمراجع التي تستند إليها نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي عند تقديم إجاباتها للمستخدمين، وفق ما أكده تقرير استقصائي نشرته مجلة "بوليتيكو" الأميركية.
وبحسب التقرير، أطلقت شركة العلاقات العامة الفرنسية الشهيرة "هافاس ميديا" (Havas Media)، التي تدير الجزء الأكبر من أنشطة التأثير والتوجيه الإسرائيلية المسجلة في الولايات المتحدة بموجب "قانون تسجيل الوكلاء الأجانب" (FARA)، مشروعاً خاصاً عبر شركة الإعلانات الأميركية "بيرو" (Piro Inc). ويتضمن المشروع إنشاء ونشر مواد إعلامية وتحليلية تحت مظلة جهة مجهولة تُدعى "معهد هانوفر للسياسات العامة".
وأظهرت الوثائق التي قُدمت لوزارة العدل الأميركية خلال الأسبوع الأخير — والتي لم تُنشر في وسائل الإعلام من قبل — أن شركة "بيرو" أفصحت عن عقد حملة تبلغ قيمتها 100 ألف دولار، تشمل إنتاج وصياغة أكثر من 12 مادة إعلامية نُشرت على الموقع الإلكتروني للمعهد.
وتصف الوثائق الرسمية الهدف المعلن للحملة بأنه "إنشاء ونشر مواد معلوماتية واقعية ومدعومة بالمصادر، تهدف إلى تثقيف الجمهور الأميركي بشأن إسرائيل والقضايا ذات الصلة، من خلال محتوى موزع بصورة علنية".
غير أن مجلة "بوليتيكو" أشارت إلى أن النمط التشغيلي للمواد المنشورة وطريقة بناء نصوصها وسياقها البرمجي، توحي جلياً بأنها مهيأة تقنياً وبصورة صريحة للظهور والالتقاط الآلي ضمن نتائج وأجوبة النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) التي تعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي تعتمد في الأساس على المحتوى المتاح والمفهرس عبر الشبكة عند توليد الإجابات.
هندسة الأسئلة لتوجيه الخوارزميات
وينشر "معهد هانوفر للسياسات العامة" العشرات مما يصفها بـ "تقارير البيانات"، من دون إدراج أسماء واضحة أو معروفة للكتّاب أو الباحثين، فيما تحمل العديد من مقالاته عناوين مصاغة في قالب أسئلة مباشرة يبحث عنها الجمهور عادة، من بينها: "هل الجيش الإسرائيلي هو الجيش الأكثر أخلاقية في العالم؟"، و"هل توجد سياسة تجويع في غزة؟".
وأوضح التقرير أن هذه الصياغة الدقيقة للأسئلة تشكل مؤشراً تقنياً على أن المحتوى صُمم خصيصاً ليلائم الاستعلامات المباشرة التي يطرحها المستخدمون حول العالم على أدوات الذكاء الاصطناعي.
ويعرف الموقع نفسه على أنه مركز يدرس "المدخلات التي تغذي معاداة السامية في الولايات المتحدة، وينشر ما تظهره الأدلة"، في حين يخفي هوية مؤسسه القائم عليه، مكتفياً بالإشارة إلى أن الأخير "يربط هذا العمل بذكرى من طفولته".
واستجابة لهذه المعطيات، أجرت مجلة "بوليتيكو" اختبارات محايدة ومستقلة على عدد من نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة، ووجدت أن أنظمة مثل "ChatGPT" و"Perplexity" استشهدت بالفعل في عدة إجابات بمواد وتقارير منشورة على موقع "معهد هانوفر"، عند إجابتها عن أسئلة حساسة تتصل بالحرب في غزة ومفاهيم الصهيونية ومعاداة السامية.
ويتضمن الموقع الإلكتروني للمعهد، في أسفل صفحاته، إفصاحاً قانونياً صغيراً ينص على أن المواد "توزعها شركة Piro, Inc. نيابة عن Havas Media Germany GmbH، التي تعمل نيابة عن وكالة الإعلانات الحكومية الإسرائيلية (LaPam)".
تقنيات استضافة متقدمة وسوابق بملايين الدولارات
كما كشفت "بوليتيكو" عن مراجعة مؤشرات تقنية أفادت بأن الموقع بُني واستضيف باستخدام خدمات شركة "Res"، وهي شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي مقرها سياتل، وتروج جهاراً لخدمات تساعد الشركات والمؤسسات على تحسين حضورها وزيادة فرص توصية أنظمة الذكاء الاصطناعي بها (Geo/AI Optimization).
وبحسب التقرير، فإن نسخة مطابقة للصفحة الرئيسية لمعهد هانوفر كانت مستضافة مباشرة على موقع تابع لشركة "Res"، لكنها أصبحت غير متاحة فور توجه "بوليتيكو" للشركة بطلب رسمي للتعليق.
وقال المؤسس المشارك لشركة "بيرو"، دانيال روزنبرغ، ردًا على استفسارات المجلة: "تعاقدت معنا دولة إسرائيل، كما هو معلن بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، لوضع حقائق دقيقة ومدعومة بالمصادر في السجل العام، ومواجهة المعلومات المضللة عن إسرائيل بمعلومات يمكن التحقق منها". من جانبه، صرح مدير ومؤسس شركة "Res"، هاي تران، بأن دوره في المشروع "معلن رسمياً في نموذج التسجيل المختصر المقدم لوزارة العدل والمتاح للعامة".
ولفت تقرير "بوليتيكو" إلى أن وثائق "بيرو"، بخلاف ملفات حملات إسرائيلية سابقة، لا تنص صراحة على أن التأثير في النماذج اللغوية يشكل هدفاً مستهدفاً بالاسم، غير أن هذه ليست المرة الأولى التي تفضح فيها وثائق FARA نشاطاً إسرائيلياً يتطلع للتأثير المباشر على مخرجات الذكاء الاصطناعي.
ففي العام الماضي، كشفت إفصاحات "هافاس" عن تعاقدها مع مدير حملة الرئيس الأميركي دونالد ترامب السابق، براد بارسكيل، عبر شركته "Clock Tower X"، ضمن حملة تأثير واسعة بلغت قيمتها 46.5 مليون دولار لصالح إسرائيل. وتضمنت وثائق تلك الحملة نصاً صريحاً ينص على نشر مواقع ومحتوى إلكتروني بهدف التأثير في ما وصفته الملفات بـ "نتائج التأطير في GPT" (Framing results in GPT).
ولم تقدم "هافاس ميديا" ولا "معهد هانوفر" أي ردود على طلبات مجلة "بوليتيكو" للتعليق، كما امتنع ممثلون عن وكالة الإعلانات الحكومية الإسرائيلية والسفارة الإسرائيلية بواشنطن عن الرد.
ويأتي هذا الكشف في وقت تشهد فيه الشارع الأميركي تراجعاً ملحوظاً في مستويات التأييد لإسرائيل بين مختلف الشرائح والاتجاهات السياسية، وفي ظل تحول منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى مصدر رئيسي للجمهور للوصول إلى المعلومات واستقاء الحقائق، ما يعكس تحولاً راديكالياً في أدوات التأثير والعلاقات العامة الإسرائيلية من الإعلانات التقليدية ومواقع التواصل إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي.







