ترجمات - لم تؤدِ أزمة إغلاق مضيق هرمز، حتى الآن، إلى الصدمة النفطية الكبرى التي حذرت منها الأسواق في بداية الحرب، لكن الهدوء النسبي في أسعار النفط والغاز لا يعكس بالضرورة استقرارًا حقيقيًا في سوق الطاقة العالمية.
فالممر المائي الذي تمر عبره عادةً نسبة كبيرة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية ظل مغلقًا إلى حد كبير لأشهر، بينما بقيت أسعار النفط أقل بكثير من السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا التي توقعت وصول الخام إلى مستويات قياسية. وتجنب الاقتصاد العالمي، حتى الآن، الركود الذي عادة ما يرتبط بالصدمات النفطية الكبيرة.
إلا أن هذا الأداء، وفق التحليل الذي يستند إليه التقرير، لا يعني أن مخاطر أمن الطاقة تراجعت، بل يعكس استفادة الأسواق من مجموعة استثنائية من الظروف، إلى جانب استثمارات حكومية وشركاتية جرى تنفيذها على مدى سنوات تحسبًا لمثل هذه الأزمات.
فائض المعروض والمخزونات امتصا جزءًا من الصدمة
دخلت أسواق النفط أزمة هرمز في وضع أكثر ملاءمة مما كان يمكن توقعه. فقد كانت التوقعات تشير إلى وفرة نسبية في المعروض خلال عام 2026، بينما كانت المخزونات النفطية مرتفعة، وكانت دول منتجة في أوبك تزيد إنتاجها بوتيرة أسرع من المتوقع.
وساعدت هذه العوامل على الحد من تأثير فقدان كميات كبيرة من النفط التي كانت تمر عبر المضيق.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، انخفض الطلب العالمي على النفط بنحو 5 ملايين برميل يوميًا خلال الربع الثاني من عام 2026، مع ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات وإجراءات ترشيد استهلاك الوقود التي اتخذتها حكومات عدة.
لكن انخفاض الطلب لم يكن العامل الوحيد الذي حال دون انفلات الأسعار.
فالسعودية والإمارات كانتا قد استثمرتا في إنشاء خطوط أنابيب تسمح بنقل النفط إلى الأسواق العالمية بعيدًا عن مضيق هرمز. ومع تصاعد الأزمة، جرى رفع استخدام هذه الخطوط، ما أتاح نقل أكثر من 5 ملايين برميل إضافية يوميًا إلى الأسواق.
وبذلك انخفضت الكميات المعرضة للتعطل من صادرات النفط الخليجية من نحو 20 مليون برميل يوميًا كانت تمر عبر المضيق قبل إغلاقه إلى نحو 13 مليون برميل يوميًا، وفق تقديرات التقرير.
الاحتياطيات الاستراتيجية تحولت إلى خط دفاع رئيسي
لعبت المخزونات النفطية التجارية والاستراتيجية دورًا أساسيًا في سد فجوة الإمدادات.
فشركات الطاقة والتجار سحبوا كميات كبيرة من المخزونات التجارية، بينما نسقت وكالة الطاقة الدولية أكبر عملية إطلاق لمخزونات الطوارئ في تاريخها.
وساهمت عمليات السحب التجارية والحكومية مجتمعة في تعويض ما يقرب من 5 إلى 6 ملايين برميل يوميًا من الإمدادات المفقودة.
لكن هذا الحل يحمل مشكلة واضحة: المخزونات التي تُستخدم أثناء الأزمة لا يمكن الاعتماد عليها إلى الأبد.
ومع استمرار الاضطرابات، أصبحت الاحتياطيات العالمية أكثر استنزافًا، ما يعني أن قدرة السوق على امتصاص صدمة جديدة أصبحت أضعف مما كانت عليه في بداية الأزمة.
الولايات المتحدة.. من نقطة ضعف إلى مصدر قوة
كشفت أزمة هرمز أيضًا عن تحول كبير في موقع الولايات المتحدة داخل سوق الطاقة العالمية.
فبعد عقود كانت فيها واشنطن تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد النفط، أصبحت الولايات المتحدة اليوم أكبر منتج للنفط في العالم ومصدرًا رئيسيًا للطاقة.
وأتاح ارتفاع الإنتاج المحلي، إلى جانب تراجع كمية النفط اللازمة لإنتاج كل وحدة من الناتج الاقتصادي، للاقتصاد الأمريكي تحمل ارتفاع أسعار النفط بصورة أفضل من الماضي.
ويشير التقرير إلى تقديرات اقتصادية لافتة تقارن تأثير صدمة نفطية مماثلة على الاقتصاد الأمريكي في عام 1980 بتأثيرها اليوم. ففي السيناريو السابق كان من الممكن أن تؤدي الصدمة إلى خفض نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 5.6 نقطة مئوية، مقابل نحو 0.3 نقطة مئوية فقط اليوم.
ولا يقتصر هذا التحول على النفط.
ففي سوق الغاز الطبيعي، بقيت الأسعار الأمريكية أقل بكثير من الأسعار العالمية، بفضل وفرة الإنتاج المحلي ودرجة عالية من الاكتفاء الذاتي في السوق الأمريكية.
وبينما اقتربت أسعار الغاز في أوروبا وآسيا من مستويات مرتفعة للغاية، بقي السعر القياسي للغاز الطبيعي في الولايات المتحدة دون 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
الصين.. لاعب جديد في استقرار سوق النفط
برزت الصين خلال الأزمة بوصفها أحد أهم عوامل التوازن في سوق النفط العالمية.
فقد خفضت بكين وارداتها النفطية بنحو 5 ملايين برميل يوميًا حتى يونيو، وفق تقديرات التقرير، في تحول ساعد على تقليل الضغط على الإمدادات المتاحة لبقية العالم.
ولم تكتفِ الصين بخفض المشتريات، بل توقفت إلى حد كبير عن شراء النفط بغرض زيادة احتياطياتها، وأطلقت بعض الكميات من مخزوناتها التجارية.
كما حدت من صادرات المنتجات النفطية المكررة، بما في ذلك البنزين والديزل ووقود الطائرات، ما أدى إلى تقليل حاجتها إلى الخام لتشغيل المصافي المحلية.
لكن هذه السياسة لم تكن بلا تكلفة على بقية آسيا، إذ أدى تراجع صادرات المنتجات الصينية إلى زيادة الضغوط على الدول المجاورة التي تعتمد على تلك الإمدادات.
وتزداد أهمية الدور الصيني مع تقديرات تشير إلى امتلاك البلاد مخزونات نفطية تصل إلى نحو 1.4 مليار برميل، في وقت استُنزفت فيه مخزونات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بدرجة أكبر.
وبالتالي، قد تصبح قرارات بكين بشأن استخدام مخزوناتها أحد العوامل الحاسمة في تحديد اتجاه أسعار النفط خلال الأشهر المقبلة.
الغاز الطبيعي المسال.. أزمة أقل حدة مما كان متوقعًا
لم تقتصر تداعيات إغلاق هرمز على النفط.
فقطر، التي تمثل صادراتها من الغاز الطبيعي المسال نحو خمس الإمدادات العالمية، تعرضت صادراتها لاضطرابات كبيرة، كما استهدفت هجمات منشآت مرتبطة بصناعة الغاز.
ومع ذلك، لم تصل أسعار الغاز في أوروبا وآسيا إلى المستويات التي شهدتها الأسواق عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
ارتفعت الأسعار المرجعية الأوروبية من نحو 35 دولارًا إلى قرابة 70 دولارًا لكل ميغاواط/ساعة، لكنها بقيت بعيدة عن الذروة التي تجاوزت 350 دولارًا في 2022.
وساعدت مشروعات جديدة للغاز الطبيعي المسال، خصوصًا في الولايات المتحدة، على تعويض ما يقدر بنحو 40 إلى 50% من الكميات المفقودة من الخليج.
كما قدمت دول مثل نيجيريا وماليزيا كميات إضافية، بينما خفضت بعض الدول الآسيوية استهلاكها من الغاز أو تحولت إلى الفحم.
أما أوروبا فاستفادت من طاقة استيراد الغاز الطبيعي المسال التي أنشأتها منذ أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية على أوكرانيا، إضافة إلى زيادة إنتاج الطاقة المتجددة.
لكن ذلك لم يمنع استنزاف مخزونات الغاز الأوروبية وارتفاع تكلفة إعادة ملئها، ما قد يجعل القارة أكثر تعرضًا لضغوط الطاقة خلال الشتاء المقبل.
انخفاض السعر العالمي لا يعني أن الجميع نجا من الأزمة
تكمن إحدى أبرز نقاط الأزمة في أن متوسط أسعار النفط العالمية يخفي تفاوتًا كبيرًا في تأثير الصدمة بين الدول.
فبينما تمكنت الولايات المتحدة والصين من الاستفادة من قدراتهما الإنتاجية أو التخزينية، تعرضت دول آسيوية وأوروبية، ولا سيما الاقتصادات النامية، لارتفاعات أكبر في الأسعار ونقص في المنتجات النفطية وإجراءات ترشيد قسرية.
وأصبح وقود الطائرات من أكثر المنتجات تأثرًا، إذ وصلت الأسعار الفورية في بعض المناطق إلى قرابة 200 دولار للبرميل لفترات قصيرة.
كما اتخذت عشرات الدول النامية والناشئة نحو 200 إجراء طارئ للتعامل مع الأزمة، شملت قيودًا على استهلاك الوقود ودعم الأسعار وتعليق الضرائب وتأمين إمدادات بديلة.
وفي بعض الدول، امتدت الإجراءات إلى الحياة اليومية.
فبنغلاديش قيدت استخدام أجهزة تكييف الهواء، بينما قلصت لاوس أيام الدراسة، وأعلنت سريلانكا عطلة رسمية إضافية. وفي الهند أدى نقص غاز البترول المسال إلى إجبار الأسر والمطاعم على خفض الاستهلاك.
أما كينيا ونيجيريا فلجأتا إلى إجراءات للحد من ارتفاع أسعار الوقود أو تخفيف الضرائب، ما نقل جزءًا من تكلفة الأزمة إلى موازنات حكومية تعاني أصلًا من ضغوط مالية.
الخريطة الجديدة لأمن الطاقة
أظهرت الأزمة أن خريطة المستفيدين والمتضررين من صدمات النفط تغيرت جذريًا منذ سبعينيات القرن الماضي.
فالولايات المتحدة، التي كانت من أكبر المتضررين من أزمات النفط في السابق، أصبحت أكثر قدرة على تحمل الاضطرابات بفضل إنتاجها المحلي.
وفي المقابل، أصبحت الاقتصادات الناشئة والنامية تتحمل جانبًا أكبر من تكلفة موازنة السوق العالمية.
فدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تمثل اليوم أقل من نصف الطلب العالمي على النفط، مقابل نحو ثلاثة أرباعه عام 1970.
وبالتالي، فإن خفض الطلب اللازم لمعادلة نقص الإمدادات يحدث بدرجة أكبر في اقتصادات أقل قدرة على تحمل ارتفاع الأسعار.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: قد يبدو سوق النفط العالمي مستقرًا، لأن الدول الأضعف اقتصاديًا تخفض استهلاكها بسرعة أكبر.
هل تدفع الأزمة العالم نحو الطاقة النظيفة؟
يمكن لأزمة هرمز أن تصبح حافزًا لتسريع التحول إلى الطاقة النظيفة، لكن ذلك ليس مضمونًا.
فأزمات الطاقة السابقة، ولا سيما أزمة النفط عام 1973، دفعت إلى استثمارات كبيرة في الطاقة النووية والطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة.
وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، ارتفع توليد الطاقة الشمسية في أوروبا بنسبة 24%، في إشارة إلى قدرة أزمات الطاقة على تسريع التحول في مزيج الطاقة.
ومن المتوقع أن تدفع أزمة هرمز بعض الدول إلى زيادة الاعتماد على الكهرباء ومصادر الطاقة المحلية مثل الشمس والرياح والطاقة النووية.
لكن الاتجاه الآخر قائم أيضًا.
فاليابان سمحت بزيادة تشغيل بعض محطات الفحم القديمة، ورفعت كوريا الجنوبية القيود على توليد الكهرباء بالفحم، فيما زادت الصين استهلاك الفحم في بعض القطاعات.
كما سرعت الهند تنفيذ خطة بقيمة 4 مليارات دولار لتطوير صناعة تحويل الفحم إلى مواد كيميائية.
وتشير تقديرات شركة ريستاد إلى أن نقص الغاز الطبيعي المسال قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الفحم في المنطقة بنحو 70 مليون طن خلال عام 2026.
خطر المرحلة الثانية
المشكلة الأساسية الآن أن الأدوات التي ساعدت الأسواق على تجاوز المرحلة الأولى أصبحت أقل وفرة.
المخزونات انخفضت، والطلب يتعافى، والبنية التحتية البديلة أصبحت أكثر تعرضًا للمخاطر، فيما تحتاج بعض المنشآت المتضررة إلى سنوات لإصلاحها.
وإذا عاد القتال بقوة، أو استمر إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول، فقد تواجه السوق ظروفًا مختلفة جذريًا عن تلك التي واجهتها في بداية الأزمة.
كما أن تعرض خطوط الأنابيب البديلة لهجمات جديدة، ولا سيما البنية التحتية السعودية التي ساعدت على تجاوز المضيق، يمكن أن يحرم السوق من أحد أهم صمامات الأمان التي استخدمتها خلال الأشهر الماضية.
وفي هذه الحالة، قد تصبح المخزونات الصينية من آخر خطوط الدفاع أمام ارتفاعات حادة في أسعار النفط.
خمسة دروس لأمن الطاقة
يطرح تحليل الأزمة مجموعة من الأولويات التي ينبغي للحكومات التعامل معها قبل وقوع صدمة جديدة.
أولًا: كفاءة الطاقة.
تقليل استهلاك النفط يمثل أكثر وسائل الحماية فعالية، لأن الاقتصاد الذي يحتاج إلى كمية أقل من النفط لكل وحدة إنتاج يكون أقل تعرضًا للصدمات السعرية.
ثانيًا: تنويع الإمدادات.
يتعين تطوير خطوط أنابيب وموانئ ومسارات تجارية بديلة، وعدم الاعتماد على ممر جغرافي واحد.
ثالثًا: الحفاظ على تكامل الأسواق.
تسمح الأسواق المفتوحة بإعادة توجيه الشحنات نحو المناطق التي تحتاج إليها أكثر، بينما يمكن للقيود التجارية أن تزيد النقص وتشوّه الأسعار.
رابعًا: تطوير إنتاج محلي متنوع.
لا يعني أمن الطاقة الاكتفاء بالنفط والغاز، وإنما بناء مزيج محلي يشمل المصادر المتجددة والطاقة النووية وغيرها، بحسب ظروف كل دولة.
خامسًا: مساعدة الدول الأكثر هشاشة.
فالاعتماد على الدول الفقيرة لتقليص الطلب كلما حدث نقص عالمي ليس استراتيجية مستدامة. ويتطلب الأمن العالمي مساعدة هذه الدول على تطوير التخزين والتكرير والبنية التحتية ومصادر الطاقة المحلية.
الخطر الحقيقي هو الاطمئنان
في المحصلة، لا تكمن المفارقة في أن العالم تمكن من تجاوز إغلاق مضيق هرمز دون انهيار اقتصادي، بل في أن هذا النجاح قد يقود إلى استنتاج خاطئ مفاده أن أمن الطاقة لم يعد مشكلة استراتيجية كبرى.
فأسواق الطاقة صمدت بفضل مخزونات جرى بناؤها مسبقًا، وبنية تحتية بديلة، وإنتاج محلي مرتفع، وتراجع في الطلب، وقدرة الصين على تعديل وارداتها، وتدخلات حكومية واسعة.
لكن معظم هذه الأدوات ليست بلا حدود.
ومع استنزاف المخزونات وعودة الطلب وتزايد المخاطر على البنية التحتية، قد تكون الصدمة التالية أكثر تكلفة بكثير.
كما أن الأزمة أعادت تشكيل موازين القوة في سوق الطاقة: الولايات المتحدة أصبحت أقل تعرضًا للاضطرابات، والصين أصبحت تملك أدوات أكبر للتأثير في السوق، بينما انتقل جزء متزايد من عبء التكيف إلى الدول الأكثر فقرًا.
وعليه، فإن الدرس الأهم من أزمة هرمز ليس أن نظام الطاقة العالمي أصبح أكثر أمانًا، بل أن الاستثمارات السابقة في المرونة حالت دون تحول الصدمة إلى كارثة، وأن الحفاظ على هذه المرونة يتطلب استثمارات جديدة قبل أن تقع الأزمة التالية.
فقد لا تكون الصدمة المقبلة مرتبطة بمضيق هرمز أصلًا، لكنها ستختبر الركائز نفسها: كفاءة الطاقة، وتنوع الإمدادات، والمخزونات، والبنية التحتية، والأسواق المفتوحة، والقدرة على توفير طاقة محلية موثوقة.
وفي عالم أكثر انقسامًا جيوسياسيًا، يبدو أن سلاح الطاقة عاد إلى الواجهة، وقد تكون الأزمة المقبلة أسرع مما تتوقعه الأسواق.







