ترجمات - تحتل العلاقة بين إسرائيل وقطر موقعاً متقدماً في النقاش السياسي الإسرائيلي مع اقتراب الانتخابات، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى الدوحة ودورها في قطاع غزة وعلاقتها بحركة حماس، مقابل استمرار الحاجة الإسرائيلية إلى قنوات اتصال ووساطة قطرية في ملفات الحرب والرهائن ومستقبل القطاع.
ويأتي هذا النقاش في وقت يسعى فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، أحد أبرز المنافسين لبنيامين نتنياهو في الانتخابات المرتقبة، إلى تقديم نفسه بوصفه أكثر تشدداً تجاه قطر، داعياً إلى تصنيفها دولة معادية، ومتهماً جهات إسرائيلية بتلقي تمويل قطري.
ويعكس تصعيد الخطاب تجاه الدوحة جانباً من المنافسة السياسية الداخلية في إسرائيل، إذ باتت علاقة قطر بحماس واحدة من الملفات التي تتقاطع فيها مواقف مؤيدي نتنياهو ومعارضيه، رغم اختلاف دوافع كل طرف في توظيفها سياسياً.
ومع ذلك، تبدو القطيعة الكاملة بين إسرائيل وقطر بعيدة عن الواقع، في ظل شبكة المصالح التي تشكلت بين الطرفين على مدى عقود، خصوصاً أن الدوحة أدت دوراً في التواصل غير المباشر بين إسرائيل وحماس، كما أصبحت لاعباً رئيسياً في الملفات المرتبطة بقطاع غزة.
علاقات بدأت بانفتاح إسرائيلي قطري
لم تكن العلاقة بين إسرائيل وقطر دائماً على مستوى العداء الحالي. ففي تسعينيات القرن الماضي، شهدت العلاقات بين الجانبين انفتاحاً لافتاً مقارنة بعلاقات إسرائيل مع دول خليجية أخرى.
وفي عام 1995، سمحت قطر لإسرائيل بافتتاح مكتب تجاري في الدوحة، وبعد عام زار رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز قطر والتقى أمير البلاد.
ورغم تراجع العلاقات عقب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، استمر التواصل بين الجانبين بدرجات متفاوتة، ووصل إلى حد إلقاء وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني كلمة رئيسية في مؤتمر عقد في الدوحة عام 2008، في إطار مساعٍ إسرائيلية لتعزيز العلاقات مع دول عربية كانت توصف آنذاك بأنها معتدلة.
لكن سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007 غيّرت طبيعة المشهد، ودَفعت قطر إلى تعزيز انخراطها المباشر في الملف الفلسطيني، بالتوازي مع توسيع قنوات التواصل مع الحركة.
وأصبح هذا الدور أكثر وضوحاً مع زيارة أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى قطاع غزة، لتتحول الدوحة تدريجياً إلى أحد أبرز الداعمين الخارجيين لعمليات الإعمار والمساعدات الإنسانية في القطاع.
التمويل القطري لغزة يثير الجدل
شكّل التمويل القطري لغزة أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في إسرائيل، خصوصاً مع الحديث عن تقديم الدوحة أكثر من مليار دولار لدعم القطاع.
وتؤكد قطر أن هذه الأموال كانت مخصصة للاحتياجات المدنية والإنسانية، وليس لتمويل الجناح العسكري لحماس، فيما يرى منتقدو الدوحة أن الدعم المالي ساهم، بصورة غير مباشرة، في إبقاء الحركة في موقع السلطة وتعزيز الوضع القائم في غزة.
وتطور نظام إيصال الأموال القطرية مع مرور الوقت، من تحويلات نقدية إلى آليات مصرفية وتقديم مباشر للوقود والمساعدات والمواد الأساسية، في محاولة للحد من المخاوف المرتبطة بإمكانية إساءة استخدام الأموال.
وشملت المساعدات أيضاً تمويل رواتب موظفين مدنيين في القطاع، وهو ما أثار انتقادات إسرائيلية، في وقت قالت فيه الدوحة إن هدفها كان منع تفاقم الأزمة الإنسانية والحفاظ على الخدمات الأساسية لسكان غزة.
ولم يكن هذا الدور القطري منفصلاً عن موافقة إسرائيلية وأميركية خلال مراحل مختلفة. فقد استضافت الدوحة القيادة السياسية لحماس في إطار قناة اتصال غير مباشرة، كما تعاونت مع إسرائيل والولايات المتحدة في ملفات مرتبطة بغزة والمساعدات والتهدئة.
7 أكتوبر أعاد رسم العلاقة
أحدث هجوم السابع من أكتوبر تحولاً جذرياً في النظرة الإسرائيلية إلى العلاقة مع قطر، بعدما انهارت رهانات إسرائيل على إمكانية احتواء حماس من خلال إدارة الوضع القائم في قطاع غزة.
وفي المقابل، وجدت قطر نفسها أمام تدقيق دولي وإسرائيلي متزايد بسبب علاقتها بالقيادة السياسية لحماس، إلا أن الحرب نفسها عززت أهمية الدوحة بوصفها قناة اتصال بين الأطراف المتحاربة.
وأتاح احتفاظ قطر بعلاقات مع حماس، إلى جانب علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لها أداء دور بارز في مفاوضات وقف إطلاق النار وقضايا الأسرى والرهائن، الأمر الذي جعل استبعادها من أي ترتيبات مرتبطة بمستقبل غزة أمراً بالغ الصعوبة.
«قطرغيت» تزيد الضغط على نتنياهو
وتفاقمت حساسية الملف داخل إسرائيل مع ظهور ما عُرف إعلامياً باسم «قطرغيت»، بعد تداول ادعاءات حول حصول مساعدين لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على أموال أو امتيازات مرتبطة بقطر والترويج لمصالحها.
ورغم نفي الدوحة ارتكاب أي مخالفات، استغل معارضو نتنياهو القضية لربط علاقاته السياسية بملفات الفساد والتحقيقات، فضلاً عن سياسات حكومته تجاه قطر قبل اندلاع حرب غزة.
وأصبحت العلاقة مع الدوحة بذلك جزءاً من الصراع السياسي الإسرائيلي الداخلي، حيث يستخدمها معارضو الحكومة لانتقاد نتنياهو، بينما يسعى مؤيدوه إلى تحميل قطر وحماس جانباً من المسؤولية عن التطورات التي سبقت هجوم أكتوبر.
الضربة الإسرائيلية للدوحة لم تنه العلاقة
بلغ التوتر ذروته مع تنفيذ إسرائيل ضربة في الدوحة استهدفت قيادات من حماس كانوا مجتمعين لبحث مقترح لوقف إطلاق النار.
ورغم الطبيعة غير المسبوقة للهجوم، لم يؤد ذلك إلى إنهاء الدور القطري في الوساطة، إذ استمرت الدوحة في المشاركة في المساعي الدبلوماسية المتعلقة بالحرب ووقف إطلاق النار ومستقبل قطاع غزة.
كما لم تتوقف بالكامل قنوات التواصل الاقتصادية وغير المباشرة بين الجانبين، ما يؤكد أن التوتر السياسي لم يلغِ المصالح المتبادلة التي حكمت العلاقة لسنوات.
قطر أمام معادلة صعبة مع حماس
وتواجه الدوحة في الوقت ذاته معادلة دقيقة في تعاملها مع حماس. فمن جهة، يمنح استمرار العلاقة قطر نفوذاً وقدرة على لعب دور الوسيط في المفاوضات المتعلقة بغزة، ومن جهة أخرى، يجعلها عرضة لانتقادات إسرائيلية وأميركية بشأن مدى قدرتها على التأثير في الحركة.
كما أن احتفاظ قادة حماس بعلاقات مع قطر جعل الدوحة طرفاً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات تتعلق بوقف الحرب أو إدارة القطاع أو إعادة الإعمار أو مستقبل الحكم في غزة.
وتزداد أهمية هذا الدور مع بحث الأطراف الدولية عن صيغة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، وهي مرحلة قد تتطلب مشاركة دول عربية وإقليمية تمتلك القدرة على التواصل مع مختلف الأطراف.
الانتخابات قد تعيد ترتيب العلاقة
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يرجح أن تستمر قطر في الحضور داخل الخطاب السياسي الإسرائيلي، خصوصاً في ظل سعي المنافسين إلى تسجيل نقاط سياسية ضد نتنياهو.
لكن الحكومة التي ستتولى السلطة بعد الانتخابات ستواجه، وفق المعطيات الحالية، معضلة تتمثل في الجمع بين الضغوط الشعبية المتزايدة ضد قطر وبين الحاجة العملية إلى الحفاظ على قنوات اتصال معها.
وتبرز هذه الحاجة بشكل خاص في ملفات غزة ووقف إطلاق النار وإعادة الإعمار، إضافة إلى دور قطر في الوساطة الإقليمية وعلاقاتها مع أطراف يصعب على إسرائيل التواصل معها بصورة مباشرة.
وعليه، فإن تصاعد الخطاب العدائي بين إسرائيل وقطر لا يعني بالضرورة انتقال العلاقة إلى قطيعة شاملة، إذ تشير طبيعة العلاقة خلال العقود الماضية إلى أن المصالح المتبادلة كثيراً ما دفعت الطرفين إلى الحفاظ على قنوات اتصال، حتى في أكثر مراحل التوتر حدة.
وفي ظل التحولات الإقليمية التي أعقبت الحرب، يبدو أن مستقبل العلاقة سيعتمد إلى حد كبير على قدرة الطرفين على الفصل بين الخطاب السياسي المتصاعد والحسابات العملية التي تفرضها ملفات غزة والوساطة وإعادة الإعمار، وهي ملفات تجعل استمرار التواصل بين الدوحة وتل أبيب أمراً مرجحاً رغم الخلافات العميقة.
لقراءة التقرير من مصدره فورين بوليسي هنا







