حيفا - أظهر استطلاع جديد أجراه مركز «مدى الكرمل» أن غالبية واسعة من المجتمع العربي في أراضي 48 ترى أن الدولة الإسرائيلية ومؤسساتها الأمنية والقضائية تتحمل جانباً أساسياً من مسؤولية استمرار الجريمة المنظمة والعنف، مع استمرار حالة انعدام الثقة بقدرة المؤسسات الرسمية على معالجة الظاهرة.
وشمل الاستطلاع 456 مشاركاً ومشاركة من المجتمع العربي ممن تجاوزوا سن 18 عاماً، وأُجري عبر مقابلات هاتفية خلال الفترة من 1 إلى 10 يونيو/حزيران 2026.
وأظهرت النتائج أن 85% من المشاركين يعتقدون أن الدولة والشرطة قادرتان على الحد من انتشار الجريمة المنظمة لو توفرت لديهما الإرادة لذلك.
كما قال 81% إن الشرطة الإسرائيلية تتعامل بتمييز بين المجتمع العربي والمجتمع اليهودي في ما يتعلق بمنع الجريمة والحد منها، فيما رأى 73% أن النيابة العامة والقضاء الإسرائيليين يتساهلان في التعامل مع ملفات الجريمة داخل المجتمع العربي.
الجريمة تتجاوز البعد الجنائي
وعُرضت نتائج الاستطلاع خلال لقاء عقده مركز «مدى الكرمل» في جمعية الثقافة العربية بمدينة حيفا، بمشاركة الباحث خالد عنبتاوي، وأمطانس شحادة، والمديرة العامة للمركز عرين هواري.
وقال عنبتاوي إن هدف البحث كان دراسة تأثير الجريمة المنظمة في الحياة اليومية للمواطنين العرب، وليس فقط قياس معدلات القتل والاعتداءات.
وأوضح أن النتائج تشير إلى أن الجريمة أصبحت تؤثر في حركة المواطنين وقراراتهم اليومية، إذ أفاد أكثر من 70% من المشاركين بأنهم يتجنبون أماكن معينة أو يغيرون مواعيد خروجهم، خصوصاً خلال ساعات الليل، أو يتجنبون اصطحاب أطفالهم إلى بعض المناطق.
وأضاف أن هذه المعطيات تظهر أن الجريمة المنظمة تجاوزت مفهوم الجريمة التقليدية وتحولت إلى نمط من «الحوكمة» التي تؤثر في الحياة اليومية وحركة السكان في المجال العام.
ارتفاع كبير في معدلات الجريمة
وبحسب المعطيات التي عرضها المركز، شهد المجتمع العربي في عام 2025 نحو 245 جريمة، مقارنة بـ67 جريمة في عام 2017، بزيادة تصل إلى 270% وفق التعريف المستخدم في الدراسة.
وأشار الباحثون إلى نشاط 8 منظمات إجرامية كبرى، بينها 6 منظمات عربية، إلى جانب نحو 30 عصابة أصغر.
وأظهرت البيانات أن معدل الضحايا بلغ 13.75 شخصاً لكل 100 ألف نسمة، فيما احتلت معدلات الجريمة في المجتمع العربي، وفق المقارنة الواردة في الدراسة، مراتب مرتفعة عالمياً وبين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وتصدرت اللد والناصرة والرملة ورهط وأم الفحم قائمة البلدات العربية الأكثر تأثراً بالجريمة المنظمة، بينما تركزت 54% من جرائم القتل بين فئة الشباب من 16 إلى 30 عاماً.
وشكلت النساء 11.1% من مجموع الضحايا، وفق نتائج الدراسة.
خلفيات الجرائم
وبحسب تصنيف الحالات التي تناولها الاستطلاع، كانت 52.8% من الجرائم ذات طابع جنائي، مقابل 23.4% جرائم عائلية، و1.7% جرائم ذات خلفية جندرية، بينما بقيت أسباب 22.1% من الحالات غير معروفة.
وتكشف هذه الأرقام، بحسب الباحثين، عن تعدد العوامل المرتبطة بانتشار الجريمة والعنف، وعدم إمكانية اختزال الظاهرة في سبب واحد.
ضعف التحقيقات ومحدودية لوائح الاتهام
وأظهرت النتائج أن 29% فقط من الملفات انتهت باعتقال مشتبه بهم، فيما لم تُقدم لوائح اتهام إلا في 8.75% من الملفات.
ويرى المركز أن هذه المؤشرات تساهم في تعزيز الشعور بضعف تطبيق القانون وانعدام الردع، وتزيد من انعدام الثقة بمؤسسات إنفاذ القانون.
من يتحمل مسؤولية انتشار الجريمة؟
وعند سؤال المشاركين عن أسباب انتشار الجريمة، حمّل 43% منهم الأهل والعائلة مسؤولية مرتبطة بالتربية، بينما رأى 27% أن أداء الشرطة الإسرائيلية في مكافحة الجريمة يمثل سبباً رئيسياً.
وقال 17% إن سياسات التمييز الإسرائيلية تجاه المجتمع العربي تساهم في انتشار الجريمة، فيما أرجع 11% الظاهرة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية، وحمّل 3% القيادة السياسية العربية مسؤولية انتشارها.
وتعكس هذه النتائج، بحسب القائمين على الدراسة، تصوراً متعدد الأسباب للأزمة، يجمع بين العوامل المجتمعية والمؤسساتية والاقتصادية والسياسية.
تشديد القانون وجمع السلاح في صدارة الحلول
وفي ما يتعلق بالحلول، رأى 82% من المشاركين أن مواجهة الظاهرة تتطلب تشديد تطبيق القانون وجمع السلاح غير القانوني.
كما رأى 87% أن تعزيز رقابة الأهل على الأبناء يمثل أحد الحلول، بينما أيد 78% توفير أطر تربوية وشبابية، واعتبر 75% أن معالجة التمييز والسياسات الحكومية ضرورية، في حين رأى 54% أن زيادة حضور الشرطة يمكن أن تساهم في الحد من الجريمة.
وتشير النتائج إلى أن الجمهور لا يربط معالجة الظاهرة بالإجراءات الأمنية وحدها، بل يربطها أيضاً بالتربية والتعليم والسياسات الاجتماعية والاقتصادية.
أكثر من نصف المشاركين مستعدون للاحتجاج
وفي ما يتعلق بالاحتجاج على الجريمة والعنف، أظهر الاستطلاع وجود فجوة بين الخوف من الظاهرة والاستعداد للتحرك ضدها.
وقال 21% من المشاركين إنهم مستعدون للمشاركة في مظاهرة تنظمها لجنة المتابعة وتحصل على ترخيص من الشرطة، فيما أبدى 5% استعدادهم للمشاركة فقط إذا كانت المظاهرة عربية-يهودية.
وأعلن 26% استعدادهم للمشاركة في احتجاج في جميع الحالات، مقابل 46% قالوا إنهم غير مستعدين للمشاركة في مظاهرات ضد الجريمة والعنف.
وبذلك يقدر الباحثون أن نحو 54% من المجتمع العربي يظهرون استعداداً للمشاركة في احتجاج سياسي ضد الجريمة، وإن اختلفت شروط المشاركة من فئة إلى أخرى.
النساء الأكثر شعوراً بالخوف
وعلقت عرين هواري على نتائج الاستطلاع، مشيرة إلى أن النساء سجلن أعلى مستويات الخوف والقلق من الجريمة المنظمة، مع وجود مستويات مرتفعة أيضاً بين الرجال.
وأكد الباحثون أن تأثير الجريمة لا يقتصر على الضحايا المباشرين، بل يمتد إلى الشعور بالأمان وحرية الحركة والقدرة على استخدام المجال العام والتخطيط للمستقبل.
وخلص مركز «مدى الكرمل» إلى أن الجريمة المنظمة أصبحت ظاهرة تتداخل فيها المسؤولية الحكومية والهشاشة المجتمعية والظروف الاقتصادية، إلى جانب الحضور الانتقائي لمؤسسات الدولة.
وتضع النتائج، بحسب المركز، تحدياً مزدوجاً أمام المجتمع العربي: استعادة الثقة بالمؤسسات الرسمية من جهة، وبناء أدوات مجتمعية وسياسية قادرة على مواجهة الجريمة من جهة أخرى.
عرب 48







