ترجمات - تواجه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة عقبات كبيرة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الضفة الغربية التي تشهد تصعيداً متزايداً بفعل توسع الاستيطان وتصاعد اعتداءات المستوطنين وتراجع قدرة السلطة الفلسطينية على أداء دورها الأمني والمالي.
ويشير تحليل سياسي لمجلة فورين بوليسي إلى أن واشنطن تبذل جهوداً كبيرة للتوصل إلى ترتيبات جديدة في غزة، لكنها في المقابل لا تولي الأزمة المتفاقمة في الضفة الغربية القدر نفسه من الاهتمام، رغم أن تطوراتها قد تتحول إلى تهديد مباشر لأي اتفاق مستقبلي يتعلق بالقطاع.
خلافات بشأن نزع سلاح حماس
في نهاية يوليو/تموز، قالت إدارة ترامب إن حركة حماس وافقت على خارطة طريق لنزع سلاحها، إلا أن فرص تنفيذ هذه الترتيبات تبدو محدودة، في ظل استمرار الخلاف الأساسي بين إسرائيل والحركة بشأن الترتيبات الأمنية والسياسية في القطاع.
وتتمسك إسرائيل، وفق الطرح الوارد في التحليل، بانسحابها الكامل من غزة بعد ضمان نزع سلاح حماس، بينما تؤكد الحركة أنها لن تتخلى عن أسلحتها قبل انسحاب جميع القوات الإسرائيلية من القطاع.
وتخلق هذه المواقف معضلة يصعب تجاوزها؛ إذ ترى إسرائيل أن الانسحاب يجب أن يسبق عملية إعادة الإعمار ونزع السلاح بضمانات واضحة، في حين تعتبر حماس أن التخلي عن سلاحها قبل إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي غير ممكن.
وفي هذا السياق، لم يكن رفض رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لخطة ترامب بشأن غزة مفاجئاً، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، حيث قد يواجه أي تنازل تجاه حماس معارضة شديدة من قاعدته اليمينية.
واشنطن تضغط ونتنياهو يواجه حسابات داخلية
ويشير التحليل إلى أن إدارة ترامب لا تتراجع عن محاولة الدفع باتجاه تسوية في غزة، رغم الصعوبات التي تواجهها، بينما يواجه نتنياهو ضغوطاً داخلية تجعله أكثر حذراً في التعامل مع المقترحات الأميركية.
وتأتي هذه الخلافات في وقت تحاول فيه الإدارة الأميركية تحقيق إنجاز سياسي في الشرق الأوسط، في حين يواجه نتنياهو حسابات انتخابية معقدة، ويعتمد بدرجة كبيرة على دعم التيار اليميني.
لكن الخطر الأكبر، وفق التحليل، قد لا يكون في غزة وحدها، بل في الضفة الغربية التي تتجه نحو مزيد من التوتر.
الضفة الغربية على حافة الانفجار
رغم تراجع ما يوصف بالتهديدات الفلسطينية المسلحة التقليدية في الضفة الغربية، فإن احتمالات اندلاع موجة عنف واسعة لا تزال قائمة.
ويشير التحليل إلى أن الجيش الإسرائيلي تحدث في تقييم سابق عن انخفاض ملحوظ في الحوادث المنسوبة إلى الفلسطينيين، لكن ذلك لم يمنع تصاعد الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون إسرائيليون ضد الفلسطينيين.
وفي المقابل، تتواصل عمليات إقامة البؤر الاستيطانية والمزارع، وسط دعم سياسي من شخصيات بارزة في الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل أيضاً مناصب مرتبطة بوزارة الدفاع.
وبحسب المعطيات الواردة في التحليل، جرى تقنين ما لا يقل عن 104 مستوطنات منذ وصول حكومة نتنياهو الحالية إلى السلطة عام 2022.
ويعلن سموتريتش صراحة معارضته لإقامة دولة فلسطينية، كما يدعم توسيع السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية، ما يزيد الاحتكاك مع الفلسطينيين ويخلق بؤراً جديدة للتوتر.
تصاعد اعتداءات المستوطنين
وتشهد مناطق مختلفة من الضفة الغربية اعتداءات متكررة ينفذها مستوطنون ضد قرى وممتلكات فلسطينية، بما يشمل تخريب الممتلكات وإتلاف المحاصيل وقتل المواشي، إلى جانب هجمات على دور العبادة.
ووفق بيانات الأمم المتحدة المشار إليها في التحليل، قُتل 18 فلسطينياً في الضفة الغربية خلال عام 2026 في هجمات نفذها مستوطنون حتى تاريخ نشر تلك البيانات.
ويرى التحليل أن العنف لا يمكن تفسيره باعتباره نشاطاً محدوداً لمجموعة صغيرة من الأفراد، في ظل اتهامات للحكومة الإسرائيلية بتوفير غطاء سياسي لبعض المستوطنين المتطرفين.
كما يشير إلى أن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس ألغى أوامر اعتقال إداري كانت قد فُرضت في السابق على مستوطنين إسرائيليين متهمين بأعمال عنف، في خطوة اعتُبرت محاولة لاسترضاء القاعدة اليمينية.
خلاف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية
وتفاقمت التوترات حول عنف المستوطنين إلى درجة دفعت قائد القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي، اللواء آفي بلوث، إلى اللجوء إلى القضاء في محاولة لمنع الإفراج عن مشتبه به إسرائيلي متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق فلسطينيين.
وأثار تدخل بلوث غضب كاتس، الذي أعلن عزله علناً، قبل أن يتراجع لاحقاً بعد اعتراضات داخل المؤسسة العسكرية وانتقادات سياسية وشعبية.
ويقدم التحليل هذه الواقعة بوصفها مؤشراً على حجم التوتر بين المستوى السياسي وبعض القيادات الأمنية بشأن التعامل مع عنف المستوطنين، وعلى اتساع الفجوة حول حدود تطبيق القانون في الضفة الغربية.
إضعاف السلطة الفلسطينية يزيد المخاطر
وفي تطور آخر، تواصل إسرائيل حجب عائدات الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية، في خطوة يرى التحليل أنها تهدف إلى الضغط عليها وإضعاف قدرتها المالية.
ويحذر خبراء من أن انهيار السلطة أو تراجع قدرتها على دفع رواتب قوات الأمن والحفاظ على مؤسساتها قد يؤدي إلى نتائج أمنية خطيرة، بينها احتمال وقوع مواجهات بين قوات الأمن الفلسطينية والجيش الإسرائيلي.
ومع تصاعد الاعتداءات على الفلسطينيين، قد تجد الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة نفسها أمام ضغوط شعبية وسياسية تمنعها من الاستمرار في ضبط الأوضاع، ما يزيد خطر تحول التوتر إلى مواجهة مسلحة.
نفوذ ترامب قد يكون أكثر فاعلية في الضفة
ويرى التحليل أن إدارة ترامب تمتلك أدوات ضغط أكبر على إسرائيل في الضفة الغربية مقارنة بقدرتها على فرض تسوية نهائية في غزة.
فالعلاقة الوثيقة بين ترامب ونتنياهو تمنح الرئيس الأميركي نفوذاً سياسياً يمكن استخدامه للضغط على الحكومة الإسرائيلية، فيما قد يشكل إعادة فرض العقوبات على المستوطنين المتطرفين رسالة مباشرة إلى القيادة الإسرائيلية.
كما أن تصاعد الخلافات بين واشنطن وبعض مواقف الحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك انتقادات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس لمسار الحرب، يعكس تغيراً في طبيعة العلاقة مقارنة بالمراحل السابقة.
ويشير التحليل إلى أن نتنياهو، رغم حاجته إلى الحفاظ على دعم ترامب، قد يواجه إغراء استخدام التصعيد الأمني لتعزيز موقعه الداخلي مع اقتراب الانتخابات.
الضفة قد تهدد أي اتفاق في غزة
ويخلص التحليل إلى أن اندلاع أزمة واسعة في الضفة الغربية قد ينسف أي خارطة طريق تتعلق بغزة، سواء كانت قائمة حالياً أو يجري إعدادها مستقبلاً.
فاستمرار الاستيطان وعنف المستوطنين، إلى جانب إضعاف السلطة الفلسطينية، قد يخلق واقعاً أمنياً وسياسياً جديداً يصعب معه تثبيت أي اتفاق في القطاع.
وبحسب هذا الطرح، فإن رغبة ترامب في تقديم نفسه بوصفه صانع سلام تتطلب منه توظيف نفوذه لدى الحكومة الإسرائيلية لاحتواء التصعيد في الضفة الغربية، باعتبار أن استقرارها قد يكون شرطاً أساسياً للحفاظ على أي تسوية مستقبلية في غزة.






