تل أبيب - تواجه حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واقعاً سياسياً وأمنياً أكثر تعقيداً، في ظل توجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو احتواء التصعيد في المنطقة، والاعتماد على الضغوط الاقتصادية والمفاوضات بدلاً من استئناف حرب شاملة مع إيران، بالتزامن مع فرض قيود على هامش التحرك الإسرائيلي في قطاع غزة ولبنان.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة "هآرتس"، فإن تصريحات ترامب خلال الأيام الأخيرة توحي بأن الإدارة الأميركية تميل إلى اعتبار الحرب مع إيران منتهية، أو على الأقل تسعى إلى منع عودتها إلى مواجهة عسكرية واسعة. وبدلاً من تجديد التهديدات بتصفية قادة النظام الإيراني أو توجيه ضربات واسعة، يركز ترامب بصورة أكبر على تشديد الضغوط الاقتصادية ومحاولة التوصل إلى ترتيبات بشأن مضيق هرمز.
ترامب يفضّل الضغط على الحرب
وترى الصحيفة أن ترامب، رغم تغيّر مواقفه المتكرر، حافظ خلال الأشهر الماضية على اتجاه واضح يتمثل في عدم رغبته في استئناف حرب شاملة مع إيران. وحتى عندما يلوّح بالعودة إلى الخيار العسكري، فإنه يقدم ذلك باعتباره نتيجة مباشرة لما يعتبره استفزازات أو انتهاكات إيرانية للترتيبات التي تم التوصل إليها في يونيو.
وفي ظل استمرار مواجهة غير مستقرة في منطقة الخليج، بين التهدئة والتصعيد، يبدو أن واشنطن تحاول أيضاً فرض قدر من ضبط النفس على إسرائيل في ساحات أخرى.
ففي لبنان، لا يزال وقف إطلاق النار المعلن في منتصف يوليو قائماً إلى حد كبير، بالتوازي مع محادثات سياسية وأمنية مباشرة بين الجانبين برعاية أميركية. وتتناول هذه المحادثات ترتيبات تتضمن انسحاباً إسرائيلياً من جنوب لبنان مقابل خطوات تدريجية تتعلق بنزع سلاح حزب الله.
أما في غزة، فتبدو الضغوط الأميركية أكثر وضوحاً، إذ تدفع إدارة ترامب باتجاه تنفيذ خطة النقاط الـ15 التي طرحها "مجلس السلام"، بينما تضغط على إسرائيل لوقف الهجمات على المسلحين الذين شاركوا في هجوم 7 أكتوبر، والاستعداد لانسحاب مستقبلي، والبدء بإعادة تأهيل البنية التحتية المدنية في المناطق التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية.
نتنياهو يواجه خطة أميركية لا يريدها
وبعد أكثر من أسبوع من المماطلة، أعلن نتنياهو رسمياً رفضه للخطة الأميركية، مقدماً مجموعة من التحفظات عليها. إلا أن واشنطن تواصل دفع الترتيبات قدماً، مع إشارات من البيت الأبيض إلى أن الإدارة تدرك الصعوبات السياسية التي يواجهها نتنياهو، لكنها تعتقد في نهاية المطاف أنه سيضطر إلى الاستجابة للمطالب الأميركية.
وتشير الصحيفة إلى أن محاولات تجري لتقريب وجهات النظر بين ممثلين عن فريق رئيس "مجلس السلام"، نيكولاي ملادينوف، ومسؤولين كبار في منتدى "هَبِتحونيستيم" اليميني، الذي تتقاطع مواقفه في كثير من الأحيان مع مواقف نتنياهو.
ويعكس الهدوء النسبي داخل أوساط اليمين الإسرائيلي، رغم تخلي الحكومة عملياً عن شعار "النصر المطلق" على حركة حماس، تعقيدات المشهد السياسي، وفق التحليل.
الليكود يبحث عن أوراق انتخابية
في المقابل، لا يبدو أن حزب الليكود يتخلى عن محاولاته للتأثير في الرأي العام، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى نشر معلومات استخباراتية غامضة، بعد رفع تعتيم رقابي عنها، تتحدث عن توصية دولة عربية لدولة أخرى بإبرام اتفاق سلام مع إسرائيل ثم تعزيز قدراتها العسكرية استعداداً لمهاجمتها.
وترى "هآرتس" أن الرسالة السياسية التي يمكن استخلاصها من نشر هذه المعلومات هي تعزيز فكرة عدم إمكانية الوثوق بالدول العربية.
كما أشارت إلى واقعة أخرى تتعلق بتصريحات نُسبت بصورة خاطئة إلى قائد الحرس الثوري الإيراني، قبل أن يتبين أنها غير صحيحة بعد تدقيقها من خبراء.
وتعتبر الصحيفة أن هذه الوقائع تذكّر بقضايا سابقة ارتبطت بتسريبات استخباراتية وإعلامية، وترى أن الاستخدام السياسي للمعلومات الاستخباراتية والحقائق قد يستمر بصورة أكثر كثافة خلال الحملة الانتخابية.
الضفة الغربية.. انفلات أمني متصاعد
في موازاة ذلك، تشهد الضفة الغربية تصعيداً متزايداً، وسط ما تصفه الصحيفة بفقدان السيطرة من جانب قوات الأمن الإسرائيلية، مقابل توسع نشاط المستوطنين في المناطق الفلسطينية.
وجاء الاعتداء الذي تعرض له طاقم صحيفة "هآرتس"، المراسلة متان غولان والمصور إيتاي رون، في قرية قصرة، مثالاً على هذا الواقع، بعدما وثق الطاقم اعتداء مستوطنين ومحاولات طرد فلسطينيين من أرضهم، إلى جانب تدخل جنود في الحادثة.
وبحسب التحليل، يتزايد خلال الأشهر الأخيرة استيلاء المستوطنين على مساحات جديدة من الأراضي المصنفة "ب"، بالتوازي مع إقامة بؤر ومزارع استيطانية جديدة ودفع تجمعات فلسطينية بعيداً عن أراضيها.
وتتهم الصحيفة الحكومة الإسرائيلية بمنح هذا النشاط غطاءً سياسياً، خصوصاً من جانب وزراء وأعضاء كنيست في الائتلاف، فيما تتولى قوات الجيش والشرطة في كثير من الحالات توفير الحماية للمستوطنين بدلاً من منع الاعتداءات.
المستوطنون والانتخابات
وتنقل "هآرتس" عن مسؤولين كبار في المؤسسة الأمنية قولهم إن حالة الانفلات في الضفة وصلت إلى مستوى بات معه القانون والردع غائبين في مناطق واسعة، معتبرين أن الخطاب السياسي المتشدد يزداد حدة مع اقتراب الانتخابات، في محاولة لكسب دعم المستوطنين، ولا سيما في ظل المنافسة داخل حزب الليكود.
وفي حادثة قصرة، تقول الصحيفة إن جنوداً من قيادة الجبهة الداخلية ساعدوا مستوطنين أقاموا بؤرة على أراض فلسطينية، بينما حاول هؤلاء طرد أصحاب الأرض من منزلهم، كما منعوا طاقم "هآرتس" من المرور.
وترى الصحيفة أن هذه الواقعة تعكس نمطاً أوسع، يتمثل في تداخل سياسي وميداني بين جهات حكومية وقيادات استيطانية ومستوطنين مسلحين، بما يؤدي إلى تغيير تدريجي في طبيعة الضفة الغربية وفرض واقع جديد على الأرض.
الضفة والقدس مرشحتان لمزيد من التصعيد
ويحذر التحليل من أن التوسع الاستيطاني يخلق مساحات احتكاك متزايدة بين المستوطنين والفلسطينيين، ما يتطلب نشر أعداد أكبر من القوات لحماية المستوطنات والبؤر الجديدة.
وبحسب "هآرتس"، فإن المشكلة لا تقتصر على صورة إسرائيل أمام المجتمع الدولي، وإنما تتعلق بواقع أمني وسياسي يتغير على الأرض، في ظل تراجع إنفاذ القانون وتنامي نفوذ المستوطنين.
ومع اقتراب الانتخابات، تحذر الصحيفة من أن الضفة الغربية والقدس الشرقية قد تتحولان إلى جبهتين أكثر قابلية للانفجار، في وقت قد يرى فيه نتنياهو أن تصعيد الاحتكاك الأمني يخدم أهدافه السياسية، عبر تحويل اهتمام الجمهور من ملف الإخفاقات المرتبطة بهجوم 7 أكتوبر إلى الملفات الأمنية والتوترات الإقليمية.






