م. تيسير محيسن .. كاتب وباحث سياسي
في الوقت الذي تتصاعد فيه اعتداءات المستوطنين في قرى الضفة الغربية، وتعلن حكومة نتنياهو بلا مواربة نيتها توسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض، يبدو المشهد الفلسطيني وكأنه يدور في حلقة مفرغة: الاحتلال يقتل ويهجّر ويحرق، العالم يصمت أو يكتفي ببيانات القلق، والفلسطينيون يردّون بالشجب والاستنكار ومناشدة الأمم المتحدة التدخل. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا لا يتدخل العالم، بل لماذا ما زلنا نتعامل مع ما يجري بوصفه أزمة عابرة، فيما تتكشف أمامنا ملامح مشروع متكامل للإجهاز على ما تبقى من الأرض والقضية والكيانية والهوية
لقد كشفت حرب الإبادة على غزة أن إسرائيل لم تعد ترى في الفلسطينيين خصما سياسيا يمكن احتواؤه، بل جماعة يمكن تفكيكها واستنزافها ودفعها نحو التبديد التدريجي. ومن الخطأ الاعتقاد أن ما جرى في غزة يخص غزة وحدها؛ فالضفة الغربية تعيش اليوم نسخة أخرى من الاستراتيجية نفسها، لكن بأدوات مختلفة: إرهاب المستوطنين، والتوسع الاستيطاني، والضم الزاحف، وتدمير الاقتصاد المحلي، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى جزر معزولة يسهل ابتلاعها لاحقا. وما يجري في بيت فوريك وبيت دجن وتل ليس أحداثا منفصلة، بل حلقات في مشروع إحلالي يسعى إلى كسر إرادة البقاء نفسها.
الأخطر من ذلك أن هذه الاستراتيجية تأتي في لحظة بلغ فيها النظام السياسي الفلسطيني درجة غير مسبوقة من التآكل. فالتقويض الذاتي، بما يحمله من فساد وإجهاد مؤسسي واستنزاف للشرعيات، سبق الإبادة ومهّد لها. لدينا حكومتان، وعشرات الوزارات، وآلاف المؤسسات، وكثرة من الفصائل والنقابات والروابط، لكن القرارات المصيرية تُتخذ في الغالب خارج المؤسسات وفي غياب المساءلة الحقيقية. لقد أفرطنا في بناء الهياكل، بينما أخفقنا في بناء الجماعة الوطنية القادرة على تحويل الكيانية إلى إرادة سياسية موحدة. وحين يعجز النظام القائم عن تأمين الحد الأدنى من الطعام والأمن والسلم الأهلي، فإن الشرعيات المزعومة تفقد معناها، وتسقط العنتريات التي كانت تتغذى على خطاب البطولة أكثر مما تتغذى على القدرة الفعلية.
في مثل هذه اللحظات التاريخية لا يكفي أن نرفع الشعارات، بل يجب أن نحدد ما هو المطلوب فعلا. وهنا يبرز خطر آخر لا يقل فداحة عن خطر الاحتلال نفسه: الدعوات الموتورة إلى عسكرة الضفة الغربية باعتبارها "ساحة الصراع الحقيقية" بعد أن أُنكر دورها لعقدين كاملين. إن أصحاب هذه الدعوات يتصرفون وكأن تجربة غزة لم تقع، وكأن تحويل القطاع إلى مسرح للمواجهة العسكرية لم يفضِ إلى دمار غير مسبوق، وإلى مأساة إنسانية ما زالت تنزف أمام أعين العالم. لقد قيل لنا إن غزة ستحمي الأقصى، وتطلق الأسرى، وتمنع الضم والاستيطان، فإذا بها تُترك وحدها تحت الإبادة، بينما استمرت إسرائيل في مشروعها الاستعماري دون أن تواجه ردعا حقيقيا.
ليس المطلوب اليوم مقاومة رمزية أو استعراضية تمنح إسرائيل الذريعة التي تبحث عنها لتوسيع الحرب إلى الضفة. فالدولة التي تبرر تدمير المدن وقتل المدنيين في غزة لن تتردد في استخدام أي عمل مسلح محدود لتبرير اجتياح شامل، وتسريع الضم، وتصفية ما تبقى من الكيانية الفلسطينية. إن تحويل الضفة إلى نسخة أخرى من غزة لا يعني توسيع دائرة المقاومة، بل توسيع دائرة الكارثة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على التمسك بالأرض والدفاع عنها بوسائل تعرّي الاحتلال وتجرّده من ادعاءاته الأمنية، وتراهن على المتغيرات الدولية بدل أن تمنحه المبرر الذي يحتاجه.
من هنا أعتقد أن اللحظة الفلسطينية تفرض علينا الانتقال من سياسة المناشدة اللفظية إلى سياسة طلب الحماية الدولية بصورة واضحة وصريحة. وهذا ليس استسلاما، بل خيارا سياسيا وقانونيا يستند إلى قواعد راسخة في القانون الدولي. فالحماية الدولية تعني أن يتدخل المجتمع الدولي لحماية السكان المدنيين عندما تعجز الدولة القائمة بالاحتلال عن الوفاء بالتزاماتها، أو عندما تكون هي نفسها مصدر الانتهاكات. وهي قد تشمل وقف الهجمات، وضمان وصول المساعدات، ونشر مراقبين دوليين، وتوفير آليات حماية للمدنيين، ومساءلة مرتكبي الجرائم. والأهم أنها لا تنقل السيادة، ولا تلغي حق تقرير المصير، بل تهدف إلى تمكين الشعب من ممارسة هذا الحق.
أما الوصاية الدولية فهي شيء مختلف تماما (ونسختها السوداء خطة ترامب وقرار 2803، وتعبيرها الفظ/حجتها المكشوفة: إصلاح السلطة ونزع سلاح غزة). إنها نظام تتولى فيه جهة دولية أو مجموعة دول إدارة إقليم أو شعب بحجة عدم قدرته على إدارة شؤونه بنفسه. وقد عرف العالم هذا النموذج في كوسوفو وتيمور الشرقية والبوسنة بدرجات مختلفة. والمشكلة أن كثيرا من المشاريع التي تُطرح اليوم لغزة، تحت عنوان "الحماية"، تتضمن عمليا عناصر وصاية: إدارة الأمن، وإدارة المعابر، وإدارة المساعدات، وإدارة إعادة الإعمار. أي أن الاسم حماية، بينما المضمون إدارة سياسية وانتقاص تدريجي من الإرادة الوطنية.
لهذا السبب أقول اطلبوا الحماية قبل أن تُفرض الوصاية. فكلما طال العجز الفلسطيني، وكلما استمرت الحرب والانقسام والتفكك، ازدادت احتمالات أن يتعامل العالم معنا بوصفنا شعبا غير قادر على إدارة نفسه، فتُفرض علينا ترتيبات انتقالية تتجاوزنا باسم الإنسانية والاستقرار. والمفارقة أن رفض أي حضور دولي بحجة الدفاع عن السيادة قد يقود في النهاية إلى خسارة جزء من هذه السيادة نفسها. لذلك ينبغي التمييز بوضوح بين حماية مؤقتة ومحددة الصلاحيات والزمن، وبين وصاية مفتوحة تعيد تشكيل النظام السياسي الفلسطيني خارج إطار الإرادة الوطنية.
وإذا كان البعض يرى في هذا الطرح نوعا من الواقعية الباردة، فإن التاريخ يقدم أمثلة معاكسة. وإذا كنا في غزة، بالرغم من عظم التضحيات، لم نتمكن من قطع الطريق على جشع الرأسمالي العفن كوشنير في التفكير في استغلال شواطئ غزة الذهبية، بينما استطاع المحتجون في ألبانيا، عبر التظاهر والضغط المدني والتنظيم الشعبي، أن يطردوه ويُفشلوا مشروعه مؤقتا. ليست العبرة هنا بالمقارنة الميكانيكية بين الحالتين، بل بالدلالة السياسية: الشعوب لا تنتصر دائما بالقوة العسكرية، بل أحيانا بالقدرة على تحويل قضيتها إلى معركة أخلاقية وسياسية تعزل خصمها وتحرمه من الشرعية (وخصوصا عندما تكون فجوة القوة المادية كبيرة للغاية).
ما نحتاجه اليوم ليس خطابا يَعِد بالنصر السريع، بل برنامجا وطنيا يحفظ البقاء ويمنع التصفية. برنامج يبدأ بتعزيز الصمود على الأرض، وتنظيم المجتمع في لجان حراسة وإسناد وطوارئ، وحماية المزارعين والقرى المهددة، وإعادة بناء الثقة بين الناس ومؤسساتهم، وفرض مراجعة وطنية شاملة للمسؤوليات والخيارات التي أوصلتنا إلى هذه اللحظة. وفي الوقت نفسه، يجب إطلاق حملة سياسية وقانونية ودبلوماسية تطالب بحماية دولية فورية للشعب الفلسطيني، مع رفض أي ترتيب دائم ينتقص من حقه في تقرير المصير أو يحول الحماية إلى إدارة استعمارية مقنّعة.
إن ما يواجه الفلسطينيين اليوم ليس مجرد أزمة قيادة أو أزمة تفاوض، بل أزمة بقاء تاريخية. ولذلك فإن الثورة الحقيقية لم تعد في رفع السقف اللفظي، بل في امتلاك الشجاعة للقول إن حماية الناس مقدمة على حماية الأوهام، وإن الدفاع عن الأرض يبدأ بمنع تحويلها إلى ساحة إبادة جديدة. لقد تعلمنا من غزة، بثمن لا يُحتمل، أن البطولة التي لا تحسب موازين القوى قد تتحول إلى مأساة جماعية، وأن المجتمع الذي يُستنزف حتى الجوع والتشرد يفقد القدرة على مواصلة معركة التحرر نفسها.
لهذا فإن المهمة الوطنية الملحة الآن ليست تكرار النموذج الذي أوصل غزة إلى الكارثة، بل بناء نموذج جديد يقوم على الصمود المدني، والمقاومة الشعبية المنظمة، وطلب الحماية الدولية، وقطع الطريق على الذرائع التي تسعى إسرائيل إلى استخدامها لاستكمال مشروعها الاستيطاني والإحلالي. وربما يكون هذا، في هذه اللحظة القاسية، الشكل الأكثر عقلانية وثورية للدفاع عن فلسطين: أن نحافظ على الإنسان والأرض والهوية، حتى يبقى هناك شعب فوق هذه الأرض الطيبة قادر غدا على استئناف معركة الحرية والتحرر، لا مجرد شعب ينجو من كارثة ليدخل في أخرى.







