القدس المحتلة- مصدر الإخبارية
عاملون في الإغاثة يتحدثون عن إعادة جثامين ومعتقلين عبر كرم أبو سالم دون بيانات أو توثيق كافٍ.. ومنظمات حقوقية تحذر من اتساع ملف الاختفاء القسري خلال الحرب
كشف تحقيق صحفي موسع، استند إلى شهادات أكثر من 15 من العاملين في المجال الإنساني، ووثائق ومقابلات مع مسؤولين أمميين وحقوقيين، عن تفاصيل عمليات إعادة مئات الجثامين الفلسطينية مجهولة الهوية من إسرائيل إلى قطاع غزة خلال الأشهر الأولى من الحرب، في ظل غياب أي معلومات رسمية حول هويات أصحابها أو ظروف وفاتهم، الأمر الذي يعمّق الغموض بشأن مصير آلاف الفلسطينيين الذين فُقدت آثارهم منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ووفق التحقيق، فإن عمليات إعادة الجثامين تمت عبر معبر كرم أبو سالم، حيث كانت تصل في حاويات شحن معدنية أو شاحنات دون مرافقة قوائم بأسماء الضحايا أو بيانات توضح أماكن العثور عليهم أو أسباب الوفاة، فيما تولت جهات صحية في قطاع غزة استلامها ودفنها بعد تعذر التعرف على هويات أصحابها.
أولى عمليات التسليم
وأشار التحقيق إلى أن إحدى أبرز عمليات التسليم جرت في ديسمبر/كانون الأول 2023، عندما تلقى موظفو الأمم المتحدة العاملون بالقرب من معبر كرم أبو سالم اتصالاً من مسؤولين في وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق (COGAT)، يطلب منهم ترتيب استلام حاوية شحن وصلت إلى المعبر.
وأوضح أحد موظفي الأمم المتحدة، الذي استخدم اسماً مستعاراً حفاظاً على سلامته، أن الحاوية المعدنية البالغ طولها نحو 12 متراً كانت تحتوي على 80 جثماناً لرجال ونساء وأطفال، موضوعة داخل أكياس بلاستيكية زرقاء.
وأضاف أن العاملين في الموقع لاحظوا انبعاث روائح قوية من الحاوية، في حين لم تقدم السلطات الإسرائيلية أي معلومات بشأن أصحاب الجثامين أو ظروف وفاتهم، قبل أن تتولى وزارة الصحة في غزة نقلها إلى مستشفى محمد يوسف النجار في رفح.
غياب وسائل التعرف على الضحايا
وبيّن التحقيق أن التعرف على هويات الجثامين كان شبه مستحيل، نظراً لوصولها في مراحل متقدمة من التحلل، إضافة إلى منع دخول معدات الطب الشرعي إلى قطاع غزة، بما في ذلك أدوات تحليل الحمض النووي (DNA)، وهو ما حال دون مطابقة الجثامين مع بلاغات العائلات التي تبحث عن أقاربها المفقودين.
ولم تتمكن الجهات الصحية الفلسطينية من إصدار قوائم رسمية بأسماء الضحايا، الأمر الذي دفع إلى دفن الجثامين في مقابر جماعية مع توثيق مواقع دفنها فقط، على أمل إعادة فحصها مستقبلاً إذا توفرت الإمكانات الفنية.
415 جثماناً مجهول الهوية
وبحسب التحقيق، لم تقتصر عمليات التسليم على دفعة ديسمبر، إذ وثقت الأمم المتحدة ووزارة الصحة في غزة إعادة 415 جثماناً مجهول الهوية خلال الفترة بين ديسمبر/كانون الأول 2023 وسبتمبر/أيلول 2024.
وتوزعت عمليات التسليم على عدة مراحل، شملت:
- 80 جثماناً في ديسمبر/كانون الأول 2023.
- 100 جثمان في يناير/كانون الثاني 2024.
- 47 جثماناً في مارس/آذار 2024.
- 100 جثمان في أغسطس/آب 2024.
- 88 جثماناً في سبتمبر/أيلول 2024.
وأوضح التحقيق أن معظم هذه الجثامين نقلت إلى مستشفيات رفح وخان يونس قبل دفنها في مقابر جماعية، فيما بقيت هويات أصحابها مجهولة حتى الآن.
جثامين مشوهة وأشلاء بشرية
ونقل التحقيق عن مسؤولين صحيين أن عدداً كبيراً من الجثامين كان في حالة تحلل شديد، بينما وصلت أخرى مبتورة الأطراف أو مشوهة بالكامل، كما تضمنت بعض الشحنات أشلاء بشرية منفصلة، الأمر الذي جعل من الصعب تحديد العدد الحقيقي للضحايا الموجودين داخل كل دفعة.
وأكد مسؤولون في وزارة الصحة أن الجانب الإسرائيلي لم يرفق أي معلومات تعريفية أو سجلات طبية أو بيانات يمكن أن تساعد في التعرف على الضحايا أو إبلاغ ذويهم.
آلاف المعتقلين ومصير مجهول
ولم يقتصر التحقيق على ملف الجثامين، بل تناول أيضاً أوضاع الفلسطينيين الذين اعتقلتهم القوات الإسرائيلية خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة.
وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي نقل آلاف الفلسطينيين إلى مراكز احتجاز عسكرية داخل إسرائيل، أبرزها قاعدة "سديه تيمان"، حيث احتُجزوا لفترات متفاوتة قبل نقل بعضهم إلى السجون الإسرائيلية أو الإفراج عنهم.
وبحسب منظمة هاموكيد الحقوقية الإسرائيلية، فإن عدداً من الفلسطينيين الذين شوهدوا للمرة الأخيرة داخل مواقع الاحتجاز العسكرية لم تظهر أسماؤهم لاحقاً في سجلات مصلحة السجون أو قواعد البيانات الرسمية، وهو ما يثير مخاوف من تعرضهم للاختفاء القسري.
شهادات عن ظروف الاحتجاز
وتضمن التحقيق شهادات لعاملين في المجال الإنساني أكدوا أنهم استقبلوا مئات المعتقلين المفرج عنهم عبر معبر كرم أبو سالم، وأن كثيراً منهم كانوا يعانون آثار سوء التغذية، والإجهاد الشديد، وإصابات جسدية، فضلاً عن تدهور حالتهم النفسية.
وأشاروا إلى أن بعض المعتقلين كانوا بحاجة إلى تدخل طبي عاجل فور وصولهم، بينما كان آخرون غير قادرين على السير، واضطر العاملون إلى توفير وسائل نقل ومساعدات إنسانية بشكل طارئ رغم محدودية الإمكانات.
كما أفاد عاملون في المجال الإنساني بأن عمليات الإفراج كانت تتم غالباً دون إشعار مسبق أو بإبلاغ متأخر، الأمر الذي صعّب على المنظمات الإنسانية توفير الاستجابة اللازمة أو إعداد سجلات دقيقة بأعداد المفرج عنهم.
آلاف المفقودين
ووفق التحقيق، يقدر المركز الفلسطيني للمفقودين والمختفين قسراً عدد المفقودين في قطاع غزة بنحو 8 آلاف شخص، مع الإشارة إلى أن الرقم يعتمد على البلاغات المقدمة من العائلات، وقد يكون أعلى من ذلك بكثير في ظل وجود عائلات كاملة قضت خلال الحرب دون أن يبقى من يبلغ عن اختفائها.
كما أوضحت منظمة هاموكيد أن أكثر من 1800 فلسطيني ما زال مصيرهم مجهولاً رغم تقديم ذويهم طلبات رسمية للاستفسار عن أماكن احتجازهم، دون تلقي إجابات واضحة من السلطات الإسرائيلية.
مطالبات بالتحقيق والمساءلة
واعتبر مسؤولون أمميون وخبراء قانونيون، بحسب التحقيق، أن استمرار الغموض بشأن مصير المفقودين والجثامين مجهولة الهوية يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، الذي يفرض على أطراف النزاع توثيق هوية الضحايا، وإبلاغ ذويهم، وضمان معاملة الجثامين بكرامة.
ودعت منظمات حقوقية إلى فتح تحقيق دولي مستقل للكشف عن مصير المفقودين، وتمكين المؤسسات الدولية من الوصول إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج عن المعلومات المتعلقة بالمحتجزين والمتوفين، إضافة إلى تسهيل عمليات التعرف على الجثامين عبر إدخال معدات الطب الشرعي وتقنيات تحليل الحمض النووي إلى قطاع غزة.
وأشار التحقيق إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يرد على طلبات التعليق بشأن المعلومات الواردة فيه، كما لم تصدر اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعليقاً رسمياً على ما ورد بشأن آليات استلام الجثامين أو توثيق عمليات الإفراج عن المعتقلين، وفقاً لما أورده التقرير.
مجلة +972 الإسرائيلية







