د. شادية الغول .. كاتبة و أكاديمية فلسطينية
على مدار سنوات الإبادة في غزة، تشكل واقع جديد داخل القطاع الأهلي والإنساني. واقع لم تخلقه السياسات المؤسسية وحدها، بل فرضته الحرب نفسها. فبينما اضطر عدد من القيادات والمديرين والموظفين إلى مغادرة غزة حفاظاً على حياتهم وحياة أسرهم، بقي آلاف العاملين الآخرين داخل القطاع، يواجهون القصف والجوع والنزوح وفقدان الأحبة، وفي الوقت نفسه يواصلون تشغيل البرامج وتقديم الخدمات وإدارة الاستجابة الإنسانية.
لا ينبغي أن يتحول هذا الحديث إلى محاكمة أخلاقية لمن غادروا. فالنجاة ليست جريمة، وحماية الأسرة ليست تهمة. لكن احترام هذا الحق لا يلغي حقاً آخر لا يقل أهمية: حق العاملين الذين بقوا في غزة في مساءلة البنية المؤسسية التي تشكلت خلال سنوات الحرب.
فبعد مرور سنوات على الكارثة، لم يعد السؤال: من غادر ومن بقي؟ بل أصبح: كيف أُعيد توزيع السلطة والموارد والفرص داخل المؤسسات؟ وهل جرى ذلك بصورة عادلة؟
في كثير من المؤسسات، أصبح العاملون في غزة يشكلون العمود الفقري للتنفيذ اليومي. هم من يتواصلون مع المجتمعات المحلية، ويصلون إلى النازحين، ويوثقون الانتهاكات، وينفذون الأنشطة، ويتعاملون مع الأزمات الطارئة. لكن في المقابل، بقيت أجزاء واسعة من القرار الإداري والمالي والاستراتيجي خارج غزة.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يعقل أن يتحمل شخص مخاطر الموت والنزوح والجوع، بينما يظل تأثيره في القرارات المصيرية لمؤسسته محدوداً؟ وهل يمكن الحديث عن المشاركة المؤسسية بينما يظل من يعيشون الواقع اليومي للحرب أقل تمثيلاً في مواقع التأثير؟
الأمر لا يتعلق فقط بالسلطة الإدارية. فهناك جانب آخر أكثر حساسية يتعلق بتوزيع الموارد والامتيازات. فهل تمت مراجعة أنظمة الرواتب بما يتناسب مع حجم المخاطر الاستثنائية التي يتحملها العاملون في غزة؟ وهل أُقرت بدلات مخاطر حقيقية وعادلة؟ وهل أُنشئت صناديق دعم اجتماعي للعاملين الذين فقدوا منازلهم أو أفراداً من أسرهم؟ وهل حصل الموظفون داخل غزة على فرص متساوية في التدريب والتمثيل والتطور المهني مقارنة بزملائهم خارجها؟
هذه ليست أسئلة شعبوية أو مطالب عاطفية، بل أسئلة حوكمة ومساءلة. فالمؤسسات التي تطالب الحكومات بالشفافية مطالبة بأن تكون شفافة بشأن توزيع الموارد داخلها. والمؤسسات التي تدافع عن العدالة الاجتماعية مطالبة بأن تنظر إلى العدالة داخل أنظمتها الإدارية أيضاً.
لقد أنتجت الحرب واقعاً غير مسبوق: موظفون يعملون من خيام النزوح، وآخرون يعملون من منازل مهددة بالقصف، وآخرون يواصلون أداء مهامهم بعد فقدان أفراد من عائلاتهم. ورغم ذلك استمرت المؤسسات في العمل، واستمرت المشاريع في التنفيذ، واستمر تدفق المعلومات والتقارير والبيانات إلى الممولين والشركاء.
من حق هؤلاء العاملين أن يتساءلوا: كيف تُترجم تضحياتنا إلى سياسات مؤسسية؟ كيف يُعترف بدورنا في صناعة القرار؟ كيف يتم احتساب المخاطر التي نتحملها؟ وكيف تضمن المؤسسات ألا تتحول الحرب إلى آلية غير مقصودة لإعادة إنتاج التفاوت بين العاملين؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المؤسسات بعد سنوات الإبادة ليس نقص التمويل ولا تراجع المشاريع، بل فقدان الثقة الداخلية. فحين يشعر العاملون أن العدالة التي تنادي بها مؤسساتهم لا تنعكس على واقعهم المهني، تتآكل العلاقة بين الموظف والمؤسسة، ويتحول الانتماء إلى مجرد التزام وظيفي بارد.
ربما آن الأوان لفتح نقاش مهني وهادئ وشجاع داخل القطاع الأهلي الفلسطيني. نقاش لا يهدف إلى إدانة أحد، بل إلى مراجعة تجربة استثنائية بكل ما حملته من تحديات وأسئلة. نقاش يسأل بوضوح: هل كانت مؤسساتنا عادلة مع العاملين الذين بقوا في غزة؟ وهل تعكس هياكلها الحالية تضحياتهم ودورهم الحقيقي؟
فالعدالة ليست بنداً في خطة استراتيجية، وليست شعاراً في تقرير سنوي. العدالة تُقاس عندما تتوزع السلطة والمسؤولية والفرص والموارد بطريقة تعترف بمن دفعوا الثمن الأكبر. وفي غزة، لا يحتاج أحد إلى كثير من الجهد لمعرفة من دفع هذا الثمن.







