جابر موسى أبو جراد - صحفى فلسطيني
في زمن المحن يصبح التاريخ أكثر من مجرد سرد للأحداث إنه مصدر للعبرة وميزان يُقاس به الحاضر ودليل على أن ما يبدو ثابتًا في لحظة من الزمن قد يصبح صفحةً في كتاب الماضي وفلسطين منذ فجر التاريخ كانت في قلب هذا المشهد فهي ليست أرضاً عابرة في الجغرافيا بل ملتقى القارات ومهد الرسالات ولذلك كانت مطمعاً للإمبراطوريات والقوى الكبرى على امتداد آلاف السنين فمنذ العصور القديمة تعاقبت عليها قوى متعددة من الآشوريين والبابليين والفرس إلى الإغريق والرومان والبيزنطيين ثم الصليبيين فالمماليك والعثمانيين وصولاً إلى الانتداب البريطاني ثم الصراع الحديث الذي ما زال يلقي بظلاله على هذه الأرض المباركة.
وخلال هذا التاريخ الطويل تعرضت فلسطين لأكثر من عشرين مرحلة من الاحتلال والسيطرة لكن الحقيقة التي لم تتغير أن جميع تلك القوى أصبحت جزءاً من التاريخ بينما بقيت فلسطين تحمل اسمها وتحفظ هويتها وبقي أهلها متمسكين بها جيلاً بعد جيل.
لقد رحلت الإمبراطوريات التي كانت تظن أن سلطانها لا يزول وسقطت الممالك التي اعتقدت أن قوتها خالدة أما فلسطين فبقيت شاهدة على أن الأرض لا تنسى أصحابها وأن هوية الأوطان لا تُمحى بقوة السلاح.
وهذه ليست قراءة عاطفية للتاريخ بل قراءة في سننه التي لا تتبدل فما من قوة بلغت ذروة نفوذها إلا واجهت يوماً لحظة الخلاص وما من احتلال استطاع أن يمنح نفسه صفة الديمومة.
قد يفرض المحتل واقعاً بالقوة لكنه لا يستطيع أن يصنع انتماء ولا أن يورث وطناً ولا أن يقتلع شعباً من ذاكرته وتاريخه فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية بل هي هوية وذاكرة وانتماء ولا يعمرها إلا أهلها الحقيقيون ونحن اهلها.
إن ما يحتاجه شعبنا اليوم ليس فقط الصبر على قسوة الواقع والاستعداد للمستقبل فالأوطان لا تنهض عندما تنتهي الحروب فحسب وإنما تنهض عندما يكون أبناؤها مستعدين لإعادة بنائها فلسطين ستحتاج إلى الطبيب كما ستحتاج إلى المهندس وستحتاج إلى المعلم كما ستحتاج إلى المزارع والعامل والقاضي والإعلامي ورجل الأعمال وصاحب الفكر التحرير الحقيقي لا يكتمل إلا بإعمار الأرض وبناء الإنسان لأن الأرض لا يحرسها السلاح وحده وإنما يحرسها ابنائها الأوفياء واصحاب الهمم والعلم والعمل والوعي والإخلاص.
لقد مر شعبنا بنكبات وحروب وتهجير وحصار ودفع أثماناً باهظة من دمائه وبيوته وأحلامه لكنه لم يفقد هويته ولم يتخل عن حقه وهذه هي أعظم عناصر القوة التي حافظت عليها فلسطين عبر تاريخها الطويل الاحتلال يستطيع أن يهدم بيتاً لكنه لا يستطيع أن يهدم إرادة شعب ويستطيع أن يقتلع شجرة لكنه لا يستطيع أن يقتلع جذور الانتماء من القلوب.
إن التاريخ لا يمنح أحداً ضمانات لكنه يقدم دروساً لا تخطئها الأمم الواعية. وأول هذه الدروس أن الظلم لا يدوم وأن الاحتلال مهما امتلك من أسباب القوة ومهما طال بقاؤه فإنه ليس قدراً أبدياً. لقد تعاقبت على فلسطين أكثر من عشرين قوة عبر آلاف السنين ورحلت جميعها وبقيت فلسطين لأن الأوطان لا يكتب خلودها المحتلون وإنما يكتبه أهلها الصابرين الثابتين المحافظين على هويتهم جيلاً بعد جيل.
ولهذا فإن رسالتنا اليوم ليست رسالة انتظار بل رسالة إعداد لنشحذ الهمم ولنتمسك بالعلم والعمل والوحدة ولنربي أبناءنا على حب وطنهم والاستعداد لخدمته ولنجعل من كل محنة دافعاً لمزيد من الصمود والبناء. فالمستقبل لا يصنعه اليائسون وإنما يصنعه المؤمنون بحقهم العاملون من أجله الواثقون بأن سنن التاريخ لا تحابي صديقاً ولا عدواً.
سيظل الاحتلال مرحلة في تاريخ فلسطين كما كانت المراحل التي سبقته وسيبقى الشعب الفلسطيني صاحب الأرض وصاحب الحق لأن الأرض لا يسكنها حقاً ولا يعمرها إلا أهلها. وستبقى فلسطين مهما اشتدت المحن وطناً لأبنائها يحملونها في قلوبهم ويعملون من أجلها ويؤمنون بأن فجر الحرية لا بد أن يطلع وأن النصر كما قال من سبقونا صبر ساعة.







