د. طلال أبو ركبة .. باحث وأكاديمي فلسطيني
ليست كل الكلمات تُقاس بما تقوله، بل بما تفعله في النفوس؛ ففي المجتمعات التي تعيش الكوارث، تصبح اللغة جزءًا من العدالة، ويغدو الخطاب امتدادًا للأخلاق، لا مجرد وسيلة للتعبير، لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد المأساة ليس أن يختلف الناس في تفسيرها، وإنما أن يشعروا بأن اللغة التي تصفها لم تعد تشبهها.
كما أن المشكلة ليست في أن الجماهير تغضب من تصريح سياسي، بل في أنها تشعر بأن هناك من يتحدث عن جراحها بلغة لا تشبهها، فالكلمات، في أوقات الكوارث، لا تؤدي وظيفة التواصل فقط، وإنما تؤدي وظيفة أخلاقية؛ إنها تحدد كيف يُنظر إلى الإنسان، وكيف يُروى موته، وكيف يُحفظ حضوره بعد غيابه. لذلك، حين تتحول التضحيات إلى أرقام تُستدعى للمفاخرة أو للتحدي أو لإثبات الصلابة، لا يسمع الناس خطابًا سياسيًا فحسب، بل يشعرون بأن موت أحبّتهم قد أُعيدت صياغته خارج إنسانيته.
ما يحدث في الحالة الفلسطينية، ولا سيما في غزة بعد تجربة الإبادة الجماعية، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد اختلاف في الرأي السياسي أو اعتراض على خطاب إعلامي، بل هو انفجار نفسي جمعي يعكس ما يسميه علماء النفس الاجتماعي "انهيار العقد العاطفي بين القيادة والجمهور"، فحين تتحول التضحيات الإنسانية إلى لغة إحصائية، أو إلى مادة للمباهاة والتحدي، فإن الجمهور لا يسمع خطابًا سياسيًا فحسب، بل يشعر أن جراحه الشخصية قد أُعيد تعريفها خارج معناها الإنساني.
إن سيكولوجيا الجمهور في المجتمعات التي تتعرض للصدمات الجماعية تقوم على حقيقة أساسية: الإنسان لا يثور فقط عندما يتألم، بل عندما يشعر أن ألمه لم يُعترف به. فالفقد يصبح أكثر قسوة عندما يُختزل إلى رقم، والدم يصبح أكثر وجعًا عندما يتحول إلى مؤشر في خطاب القوة.
لذلك فإن حالة الاندفاع والغضب التي نشهدها ليست تعبيرًا عن هشاشة نفسية، وإنما عن محاولة غريزية لاستعادة الكرامة الرمزية التي يشعر الناس بأنها تُنتزع منهم للمرة الثانية؛ مرة حين سقط الضحايا، ومرة حين فقدت تضحياتهم معناها الإنساني في الخطاب العام.
لقد تحدث عالم الاجتماع إميل دوركايم عن أن المجتمعات لا تتماسك بالمصالح وحدها، بل بالمشاعر الجمعية التي تمنح الألم معنى، وتجعل التضحية جزءًا من الذاكرة الأخلاقية للأمة، وعندما يُعاد تأويل هذه التضحيات بوصفها مجرد أرقام للمفاخرة أو أوراقًا في معركة الخطاب السياسي، يحدث ما يمكن تسميته بالاغتراب الأخلاقي؛ إذ يشعر الأفراد بأن التجربة التي عاشوها لم تعد ملكًا لهم، وإنما أصبحت تُدار من خارجهم، وفق اعتبارات لا تشبه وجعهم.
الإبادة واغتراب اللغة:
الإبادة ليست حدثًا عسكريًا ينتهي بتوقف القصف، بل زلزالًا وجوديًا يعيد ترتيب علاقة الإنسان بكل شيء؛ بالمكان، وبالزمن، وباللغة، وبذاته؛ فهي لا تقتل الأجساد وحدها، بل تهاجم المنظومة التي تمنح الحياة معناها. ولهذا فإن أخطر ما يواجه المجتمعات الخارجة من الإبادة ليس حجم الدمار المادي، وإنما احتمال أن يُعاد تفسير ذلك الدمار بلغة لا تشبهه، أو أن يُختزل الألم إلى وظيفة سياسية، أو أن تتحول التضحيات إلى مادة للبلاغة والخطابة والمفاخرة.
هنا يبدأ الغضب، ليس لأنه قيل شيء خاطئ بالضرورة، وإنما لأن شيئًا أعمق قد انكسر بين الكلمة والإنسان.
فالإنسان لا يعيش داخل الواقع، وإنما داخل المعنى الذي يمنحه للواقع، هذه هي الحقيقة التي أدركها الفلاسفة منذ زمن بعيد. ولذلك فإن الموت نفسه لا يكون الحدث الأكثر رعبًا، بل الطريقة التي يُروى بها الموت، فالميت يغادر الحياة مرة واحدة، أما الأحياء فيواصلون إعادة تفسير موته إلى ما لا نهاية، ولهذا فإن معركة الشعوب ليست فقط حول من قتل أبناءها، وإنما حول من يمتلك حق تفسير هذا القتل.
في غزة، لم يفقد الناس أبناءهم فقط، بل فقدوا أيضًا ثقتهم بالعالم، شاهدوا القانون الدولي يقف عاجزًا، والمؤسسات الأممية مرتبكة، والضمير الإنساني يتآكل أمام الشاشات، وحين يعيش الإنسان هذا المستوى من الخذلان، فإنه لا يعود يبحث عن خطاب يمنحه الأمل، بل عن خطاب لا يسلبه الحقيقة.
إن الحقيقة الأولى التي يبحث عنها الناجون ليست النصر، وإنما الاعتراف... لاعتراف بأن ما حدث لم يكن مجرد حرب، بل اقتلاعًا للوجود، والاعتراف بأن الأطفال لم يكونوا أضرارًا جانبية، بل عوالم كاملة انطفأت، الاعتراف بأن الأم التي حفرت بيديها بين الركام ليست صورة إعلامية، وإنما سؤال أخلاقي سيلاحق الإنسانية طويلًا؛ ولهذا فإن أي خطاب يعبر فوق هذه الحقيقة، مهما كانت نواياه، يُستقبل باعتباره شكلًا جديدًا من الخذلان.
يقول الفيلسوف إيمانويل ليفيناس إن الأخلاق تبدأ عندما ننظر إلى وجه الإنسان، لأن الوجه يسبق كل الأيديولوجيات، وكل الحسابات، وكل المصالح. فالوجه يقول لنا: "لا تجعلني وسيلة". هذه الجملة البسيطة ربما تختصر كل ما يشعر به الفلسطيني اليوم.
فالشهيد ليس وسيلة، والطفل ليس وسيلة، والألم ليس وسيلة، والجوع ليس وسيلة، وحين تتحول المأساة إلى برهان سياسي، أو تتحول التضحيات إلى لغة للمفاخرة أو التحدي، يشعر الجمهور بأن الوجه الإنساني اختفى، ولم يبق سوى الرقم.... والرقم، مهما بلغ، لا يبكي...ولا يشتاق... ولا يترك أمًا تنتظر...ولا يحمل اسمًا؛ لهذا يخاف الناس من الأرقام عندما تنفصل عن أصحابها.
الانفعال أخر أليات الدفاع عن المعنى:
ولعل هذا ما قصدته الفيلسوفة حنة آرندت حين تحدثت عن "تفاهة الشر"، لم تكن تقصد أن الشر تافه، بل أن أخطر أشكاله هو ذلك الذي يتحول إلى أمر اعتيادي، يُمارس بلغة باردة، وإجراءات عادية، ومفردات تقنية، حتى يصبح الإنسان غائبًا عن المشهد، بينما تبقى الإحصاءات حاضرة.
الإبادة تبدأ بالرصاصة، لكنها تستمر باللغة، فاللغة قادرة على قتل الإنسان مرة ثانية، عندما تُجرده من فرديته، وتعيد تعريفه باعتباره رقمًا في تقرير، أو ورقة تفاوض، أو دليلًا على الصمود، أو مادةً للمزايدة. وهنا تحديدًا يولد الغضب الشعبي، إنه ليس غضبًا من السياسة، بل غضب على اختفاء الإنسان من السياسة.
في علم النفس الجمعي، لا يكون الانفعال دائمًا دليلًا على ضعف الاتزان، بل قد يكون آخر آليات الدفاع عن الذات، فالإنسان الذي فقد كل شيء، ولم يعد يملك سوى ذاكرته، سيدافع عن هذه الذاكرة بعنف، لأن سقوطها يعني أن خسارته أصبحت بلا معنى.
وهذا ما يحدث في غزة، فالناس لا يحرسون الماضي، إنهم يحرسون المعنى، يحرسون أسماء أبنائهم من الذوبان في الجداول الإحصائية، يحرسون وجوه الشهداء من التحول إلى رموز مجردة، يحرسون حقهم في الحزن، لأن الحزن نفسه أصبح مهددًا بالاختزال.
كتب الفيلسوف أكسل هونيث أن أعنف أشكال الإهانة ليست الاعتداء الجسدي، وإنما حرمان الإنسان من الاعتراف، فالاعتراف ليس مجاملة أخلاقية، بل هو الشرط الذي يشعر الإنسان من خلاله أن وجوده مرئي، وأن معاناته تُفهم، وأن كرامته ليست قابلة للمساومة. وربما لهذا السبب، لا يطالب الفلسطيني اليوم بأن يُصفق العالم لصموده، بقدر ما يطالبه بأن يحزن معه.
فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يمتدح قوته؛ أحيانًا يحتاج فقط إلى من يعترف بضعفه دون أن ينتقص من كرامته. أما حين تُطلب منه البطولة الدائمة، فإنه يتحول، من حيث لا يشعر الآخرون، إلى أسير لصورة لا يستطيع العيش داخلها.
وهنا تتجلى واحدة من أكثر المفارقات قسوة، فالضحية لا تخاف فقط من القاتل، إنها تخاف أيضًا من أن تُجبر على تمثيل دور "الضحية البطلة" إلى الأبد، لأن الإنسان، قبل أن يكون رمزًا، هو كائن يتعب، ويبكي، وينهار، ويشتاق إلى حياة عادية.
أن العدالة تبدأ عندما نعترف بأن بعض الحيوات تستحق الحداد، وأن المأساة الحقيقية تبدأ عندما يصبح موت فئة من البشر مألوفًا، أو أقل إثارة للحزن من غيره، وهنا تكمن المأساة الفلسطينية، ليس فقط في كثرة الشهداء، بل في الاعتياد على الشهداء، فالاعتياد هو المرحلة الأخيرة من انتصار العنف، لأن الإنسان عندما يتوقف عن الدهشة أمام الدم، يبدأ تدريجيًا بفقدان جزء من إنسانيته.
لذلك فإن الانفجار الشعبي أمام بعض التصريحات ليس دليلًا على هشاشة المجتمع، بل ربما يكون الدليل الأخير على أن مناعته الأخلاقية ما زالت تعمل، فالمجتمع الذي يغضب لأن الدم اختُزل إلى رقم، هو مجتمع لم يفقد حساسيته بعد، والمجتمع الذي يحتج لأن الألم استُخدم خارج سياقه الإنساني، هو مجتمع ما زال يقاوم، ليس الاحتلال وحده، بل يقاوم أيضًا تآكل المعنى.
إن أخطر ما بعد الإبادة ليس الركام، فالركام يمكن إعادة بنائه. وليست المجاعة، لأن الطعام يمكن أن يعود، وليست حتى الخسائر البشرية، على فداحتها، لأن الأمم تستطيع أن تواصل الحياة رغم الفقد، أما إذا انهارت اللغة التي تحرس قداسة الإنسان، وإذا أصبحت التضحيات مجرد أرقام تُستدعى عند الحاجة، وإذا فقد المجتمع قدرته على الحزن الحقيقي، فإن إعادة الإعمار تصبح مستحيلة، لأن ما تهدم آنذاك ليس الحجر، بل الضمير.
ولهذا، فإن الغضب الشعبي ليس دائمًا نقيض الحكمة، فهو أحيانًا يكون آخر ما تبقى من الحكمة، إنه الصرخة التي يطلقها الضمير حين يشعر أن اللغة بدأت تنسى أسماء أصحابها، وأن السياسة أوشكت أن تنسى أن كل رقم كان يومًا إنسانًا، وكل إنسان كان يومًا عالمًا كاملًا لا يتكرر.
إن المجتمعات لا تنهار يوم تُقصف مدنها، وإنما يوم تتصالح مع اللغة التي تُفرغ خسائرها من معناها، لذلك، فإن الدفاع عن قداسة الكلمات ليس ترفًا ثقافيًا، بل دفاع عن آخر الحدود التي تفصل الإنسان عن اللامبالاة، فالكلمات التي لا تحمي كرامة الضحايا، قد تتحول – من حيث لا تقصد – إلى امتدادٍ رمزي لما بدأه العنف المادي، وحينها، يصبح الغضب الشعبي أقل تعبيرًا عن رفض خطاب سياسي، وأكثر تعبيرًا عن محاولة أخيرة لإنقاذ الإنسان من أن يُختزل إلى رقم، أو إلى حجة، أو إلى وسيلة في معركة لا ينبغي أن تنسى أصلها: أن كل دمٍ هو عالم كامل، وأن كل شهيد هو قصة لا يجوز أن تُروى بلغة الأعداد وحدها.
ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي يمكن أن تعلمنا إياه غزة، فالإبادة لا تنتصر عندما يكثر القتل، وإنما عندما يعتاد الناس على تفسير القتل بلغة باردة، ولا تنهزم فقط عندما يتوقف إطلاق النار، وإنما عندما يستعيد الإنسان حقه في أن يُرى بوصفه إنسانًا، لا رقمًا، ولا شعارًا، ولا دليلًا في معركة الروايات.
ولأن الحضارات لا تُقاس بعدد ما تبنيه من مدن، بل بقدرتها على أن تبكي موتاها دون أن تستثمر دموعهم، والسياسة تبلغ ذروتها الأخلاقية، لا حين تعرف كيف تتحدث عن التضحيات، بل حين تعرف أين يجب أن تصمت احترامًا لها، فثمة آلام لا تحتاج إلى خطاب أكثر مما تحتاج إلى خشوع، وثمة دماء لا تطلب من التاريخ أن يمجدها، بل أن يحفظ إنسانيتها، وربما تكون هذه هي المهمة الأصعب بعد كل إبادة: ألا نسمح للغة أن تصبح المقبرة الأخيرة للضحايا...!







