د. مجدي جميل شقورة .. مصدر الإخبارية
تشير المعطيات الحالية في الساحة الفلسطينية إلى أن المشهد السياسي قد يكون مقبلاً على مرحلة جديدة عنوانها "فرض الأمر الواقع". فبعيداً عن الجدل المستمر حول قرار إجراء الانتخابات، توحي المؤشرات بأن الخطوات التنفيذية قد بدأت بالفعل، مما يضع القوى السياسية أمام تحدٍ حقيقي لا يتعلق بإمكانية إجراء الانتخابات، بل بكيفية التعامل مع هذا المسار كواقع قائم.
إن الرهان على أن حملات الرفض أو الضغوط السياسية قد تؤدي إلى التراجع عن هذه الخطوة قد لا يكون دقيقاً. فالتجارب السابقة تظهر أن القيادة الفلسطينية، عندما تتخذ قراراً تراه استراتيجياً، تسعى للمضي فيه والبحث عن حلول قانونية وتجاوز العقبات، بدلاً من انتظار توافق وطني شامل قد يطول بحثه.
وفي هذا الإطار، قد تتحول عقبة مشاركة القدس وقطاع غزة من شرط أساسي لإجراء الانتخابات إلى ملف يُدار سياسياً وقانونياً، خاصة مع اعتماد نظام القوائم الذي يعبر عن الوطن كدائرة انتخابية واحدة. هذا السيناريو قد يدخل النظام السياسي في مرحلة معقدة، يتوازى فيها الخلاف حول شرعية الإجراءات مع التنافس الانتخابي نفسه.
هذا الواقع يضع قوى المعارضة أمام خيارات صعبة؛ فالمقاطعة قد تعني خسارة مواقع التأثير في المؤسسات القادمة، بينما المشاركة قد تُفسر على أنها قبول بالمسار الحالي. لذلك، فإن قرار خوض الانتخابات أو مقاطعتها يتجاوز كونه مجرد موقف مبدئي، ليصبح خطوة استراتيجية تحدد مستقبل كل قوة سياسية لسنوات مقبلة.
من جانب آخر، قد تحمل هذه الانتخابات فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى، في ظل رغبة شعبية متزايدة وبخاصة لدى فئة الشباب في رؤية وجوه جديدة وخطاب سياسي مختلف. وإذا تمكنت قوى بديلة أو شخصيات مستقلة من استثمار هذا التململ، فقد تشهد الانتخابات مفاجآت تعيد رسم الخريطة السياسية جزئياً.
لكن التحدي الأكبر يكمن في "اليوم التالي" للانتخابات. فإذا أُجريت العملية وصيغت مؤسسات جديدة، فإن الأطراف التي اختارت البقاء خارجها قد تجد صعوبة بالغة في استعادة حضورها وتأثيرها. وفي حال نجاح الانتخابات في إنتاج شرعيات جديدة، فإنها ستصبح نقطة تحول تعيد تعريف قواعد العمل السياسي الفلسطيني بالكامل.
ختاماً، يبدو أن السؤال الأساسي اليوم ليس حول فرص انعقاد الانتخابات، بل حول مدى جاهزية الأطراف للتعامل مع نتائجها. فالعمل السياسي الفعال يعتمد على الاستعداد للواقع والتعامل مع معطياته، مما يتطلب من كافة القوى الانتقال من مربع البيانات إلى مربع العمل على الأرض، وبناء التحالفات، لتأكيد حضورها في صياغة المرحلة القادمة.







