رام الله - مصدر الإخبارية
تشكل المزارع الاستيطانية الرعوية في الضفة الغربية اليوم إحدى أبرز أدوات المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، بعدما تحولت خلال السنوات الأخيرة من مبادرات استيطانية محدودة يقودها مستوطنون أفراد إلى مشروع حكومي متكامل يحظى بغطاء سياسي وتشريعي وأمني وتمويل مباشر من مؤسسات الدولة الإسرائيلية.
وتشير دراسة حديثة صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار" إلى أن هذه المزارع لم تعد مجرد أدوات للتوسع الاستيطاني التقليدي، بل أصبحت جزءاً من الاستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى فرض الضم الفعلي للمناطق المصنفة (ج)، بالتوازي مع إدماجها ضمن رؤية إسرائيل للأمن الغذائي حتى عام 2050.
بداية المشروع
بدأت فكرة المزارع الاستيطانية بالتبلور خلال تسعينيات القرن الماضي، بالتزامن مع توقيع اتفاقيات أوسلو، عندما تراجعت وتيرة بناء المستوطنات الرسمية، فاتجهت الحركة الاستيطانية إلى إنشاء البؤر والمزارع الرعوية كوسيلة جديدة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية.
وشكلت دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون عام 1999 للمستوطنين إلى "الاستيلاء على التلال" نقطة تحول رئيسية، إذ وفر لاحقاً دعماً سياسياً ولوجستياً لإنشاء المزيد من البؤر الاستيطانية.
ويعتبر المستوطن أفري ران، الذي أسس مزرعة "غفعات عولام" عام 1996، أحد أبرز مؤسسي هذا النموذج، حيث تحولت مزرعته إلى نموذج تكرر لاحقاً في مختلف أنحاء الضفة الغربية، خاصة في محيط الكتل الاستيطانية الكبرى.
توسع متسارع خلال السنوات الأخيرة
شهدت المزارع الاستيطانية توسعاً كبيراً بعد عام 2009، حيث قدمها المستوطنون باعتبارها رداً على خطة بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية التي طرحها رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق سلام فياض، معتبرين أنها وسيلة لمنع التوسع الفلسطيني في المناطق المفتوحة.
كما تسارع انتشارها بشكل ملحوظ منذ عام 2016 في منطقة الأغوار، حيث أقيمت مزارع جديدة قرب مناطق التدريب العسكري والمحميات الطبيعية.
وبين عامي 2017 و2025، تضاعف عدد هذه المزارع بصورة غير مسبوقة ليصل إلى نحو 130 مزرعة رعوية، تفرض سيطرتها على ما يزيد على 780 ألف دونم، أي ما يعادل نحو 14% من مساحة الضفة الغربية، ونحو نصف مساحة ما تصنفه إسرائيل بـ"أراضي الدولة".
وفي شباط/فبراير 2025، خصصت الإدارة المدنية الإسرائيلية نحو 16 ألف دونم إضافية لصالح هذه المزارع.
تهجير الفلسطينيين والسيطرة على المراعي
تلعب المزارع الرعوية دوراً محورياً في تهجير التجمعات الفلسطينية، خاصة التجمعات البدوية والرعوية، من خلال فرض وجود استيطاني دائم، وممارسة الضغوط والعنف بحق السكان الفلسطينيين، والسيطرة التدريجية على الأراضي الزراعية والمراعي.
وتؤكد تقارير حقوقية فلسطينية أن هذه المزارع أصبحت إحدى أبرز أدوات التهجير القسري، في ظل الحماية التي توفرها لها قوات الاحتلال.
من يقف وراء المزارع؟
ورغم ارتباط هذه المزارع تقليدياً بما يعرف بـ"شبيبة التلال"، فإن الدراسة تشير إلى تطور مهم تمثل في دمجها داخل المنظومة الزراعية والاقتصادية الإسرائيلية.
فلم تعد هذه المزارع مجرد بؤر استيطانية، بل تحولت إلى مشاريع اقتصادية تعتمد على:
- الزراعة الحديثة.
- أنظمة الري الذكية.
- الزراعة الدقيقة.
- الإنتاج العضوي.
- التقنيات الزراعية المتطورة.
كما تحظى بدعم مباشر من وزارات إسرائيلية عدة، أبرزها وزارة الزراعة والأمن الغذائي، إلى جانب شعبة الاستيطان التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية، والصندوق القومي اليهودي، والمجالس الاستيطانية.
ديختر: لا وجود للخط الأخضر في الزراعة
وفي حزيران/يونيو 2026، زار وزير الزراعة والأمن الغذائي الإسرائيلي آفي ديختر إحدى المزارع الاستيطانية شمال غرب جنين، وأعلن أن وزارته لم تعد تميز بين الأراضي داخل الخط الأخضر والضفة الغربية.
وقال ديختر: "منذ توليت الوزارة لم يعد هناك خط أخضر فيما يتعلق بالزراعة، وعمل الوزارة يمتد من البحر إلى النهر."
ويعكس هذا التصريح، وفق الدراسة، التحول الرسمي في سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية، وتحويل الاستيطان الزراعي إلى جزء من السياسة الحكومية المعلنة.
اتحاد للمزارع الاستيطانية
وفي عام 2024، تأسس "اتحاد المزارع" بمبادرة من أصحاب المزارع الاستيطانية بهدف:
- تمثيل المزارعين أمام الحكومة.
- تنسيق العلاقة مع الأجهزة الأمنية.
- تأمين الدعم المالي.
- توسيع النشاط الاستيطاني.
- حماية ما تعتبره إسرائيل "أراضي الدولة".
وترى الدراسة أن إنشاء هذا الاتحاد نقل المزارع من مرحلة المبادرات الفردية إلى إطار مؤسساتي متكامل.
حكومة نتنياهو وسموتريتش تقود أكبر توسع استيطاني
توضح الدراسة أن حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، بالشراكة مع وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، أحدثت تحولاً غير مسبوق في سياسة الاستيطان، عبر الانتقال من الدعم غير المباشر إلى التمويل الحكومي العلني.
فبعد أن كان متوسط إنشاء البؤر الاستيطانية يبلغ نحو ثماني بؤر سنوياً بين عامي 2012 و2022، ارتفع العدد إلى:
- 32 بؤرة عام 2023.
- 62 بؤرة عام 2024.
- 86 بؤرة خلال عام 2025.
كما تشير الدراسة إلى أن نحو 70% من الأراضي التي استولت عليها المزارع الاستيطانية تم الاستيلاء عليها بعد السابع من أكتوبر 2023.
مليارات الشواكل لدعم المشروع
خصصت الحكومة الإسرائيلية في موازنة عام 2026 نحو 2.7 مليار شيكل لدعم الاستيطان، تضمنت:
- 1.1 مليار شيكل لإنشاء وتعزيز مستوطنات جديدة.
- 338 مليون شيكل لتطوير البنية التحتية لـ36 بؤرة استيطانية.
- مئات ملايين الشواكل الإضافية للأمن، وشق الطرق، ودعم المجالس الاستيطانية.
وتشير الدراسة إلى أن هذه المخصصات تمثل أعلى مستوى من التمويل الحكومي المباشر للمشروع الاستيطاني، بما يعكس انتقال إسرائيل إلى مرحلة جديدة من فرض الضم الفعلي في الضفة الغربية عبر المزارع الرعوية والاستيطان الزراعي المنظم.






