د. شادية الغول - اكاديمية وباحثة فلسطينية
في كل مرة تعيد فيها الحركات الفلسطينية انتخاب قياداتها القديمة، يشعر الفلسطيني العادي أن الزمن السياسي الفلسطيني متوقف، وأن المأساة تتكرر بالوجوه ذاتها والخطابات ذاتها والنتائج ذاتها. ما جرى أخيراً داخل فتح وحماس لم يكن مجرد انتخابات تنظيمية عادية، بل كشف بوضوح حجم الأزمة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني بكل مكوناته. فالحركتان اللتان قادتا المشهد الفلسطيني طوال العقود الماضية، ورغم كل ما حدث من انقسام وحصار وحروب وفشل سياسي وانهيار اقتصادي وإبادة في غزة، عادتا لتكريس البنية القيادية نفسها تقريباً، وكأن السنوات الطويلة من الألم لم تكن كافية لإحداث مراجعة حقيقية أو ولادة رؤية جديدة. لذلك فإن نقد هذا الواقع لا يجب أن يُفهم باعتباره هجوماً على طرف دون آخر، بل محاولة لفهم كيف وصلت القضية الفلسطينية إلى مرحلة يبدو فيها التغيير مستحيلاً داخل أكبر قوتين فلسطينيتين، وفي ظل غياب أي دور حقيقي للمواطن الفلسطيني في محاسبة من يحكمون باسمه.
حين تعقد الحركات السياسية مؤتمراتها بعد سنوات طويلة من الأزمات والانهيارات، يفترض الفلسطينية أن لحظة مراجعة تاريخية قد اقتربت، وأن هناك إدراكاً متأخراً لحجم الفشل الذي تراكم فوق صدور الشعوب، لكن ما جرى في المؤتمر الأخير لحركة فتح بدا وكأنه تأكيد إضافي على أن النظام السياسي الفلسطيني لم يعد قادراً على إنتاج أي تغيير حقيقي، بل أصبح أكثر ميلاً لإعادة تدوير أزماته بنفس الوجوه والعقلية والأدوات. فبعد عشر سنوات كاملة من الجمود والانقسام والتراجع السياسي والاقتصادي، جاءت نتائج المؤتمر وكأنها رسالة تقول إن كل ما حدث لم يكن كافياً لإحداث مراجعة داخلية حقيقية، وإن الحركة ما زالت ترى في بقاء القيادة الحالية ضماناً للاستقرار، حتى لو كان هذا الاستقرار قائماً فوق حالة واسعة من الغضب الشعبي وفقدان الثقة.
إعادة انتخاب الرئيس محمود عباس وهو في هذا العمر المتقدم لم تكن مجرد مسألة تنظيمية داخلية، بل كانت تعبيراً عميقاً عن أزمة بنيوية تعيشها حركة فتح والسلطة الفلسطينية معاً. فالرجل الذي ارتبط اسمه بمرحلة طويلة من التراجع السياسي، وفشل مشروع التسوية، واتساع الاستيطان، وتعطل المصالحة، والانقسام الفلسطيني، والأزمة المالية، وتآكل المؤسسات، يعود مجدداً بوصفه الخيار الوحيد الممكن، وكأن الحركة بكل تاريخها الطويل وكوادرها وأجيالها لم تعد قادرة على إنتاج قيادة بديلة أو حتى تخيل شكل مختلف للمستقبل. الأخطر من ذلك أن المؤتمرات التنظيمية التي يفترض أن تكون مساحة للمحاسبة والنقد تحولت تدريجياً إلى آلية لإعادة توزيع النفوذ داخل المنظومة نفسها، حيث تصبح الكوتا والمحاصصة والتوازنات الداخلية أهم من الكفاءة أو البرنامج السياسي أو القدرة على إدارة المرحلة المقبلة.
ولأن الانتخابات العامة الفلسطينية غابت لسنوات طويلة، فإن هذه المؤتمرات التنظيمية لم تعد مجرد شأن داخلي يخص فتح أو حماس وحدهما، بل تحولت عملياً إلى بديل عن الإرادة الشعبية نفسها. فالمواطن الفلسطيني الذي حُرم من حقه في انتخاب قيادته ومحاسبتها، يجد نفسه مضطراً للتعايش مع نتائج ترتبها دوائر تنظيمية مغلقة لا تمثل بالضرورة المزاج الشعبي العام. وهنا تصبح الأزمة أعمق من مجرد إعادة انتخاب أشخاص بعينهم، لأنها تعكس انهياراً تدريجياً لفكرة المشاركة السياسية نفسها. فلا يمكن لعدد محدود من أعضاء المؤتمرات التنظيمية أن يحددوا وحدهم مصير ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون الحصار والإبادة والانقسام والانهيار الاقتصادي، بينما يُمنع الشعب بأكمله من ممارسة حقه الطبيعي في الاختيار والتغيير والمحاسبة عبر انتخابات ديمقراطية شاملة.
لم يعد ممكناً إقناع الفلسطينيين بأن الأزمة مجرد حصار خارجي أو مؤامرة سياسية فقط، لأن جزءاً كبيراً من التدهور الحالي مرتبط أيضاً بطريقة إدارة النظام السياسي الفلسطيني لنفسه. فالسلطة التي تأسست باعتبارها خطوة نحو بناء الدولة تحولت مع الوقت إلى بنية بيروقراطية مرهقة وعاجزة، تخشى التغيير أكثر مما تخشى الفشل، وتتعامل مع أي محاولة إصلاح باعتبارها تهديداً لمراكز النفوذ القائمة. لذلك لم تعد المشكلة في شخص محمود عباس وحده، بل في الثقافة السياسية التي سمحت ببقاء الواقع ذاته لعقود، وفي التنظيم الذي لم يعد ينتج المنافسة بقدر ما ينتج الولاء، ولم يعد يفتح الطريق أمام الأجيال الجديدة بقدر ما يعيد تدوير الأسماء نفسها مهما تراجعت النتائج.
لكن الأزمة الفلسطينية لا تتوقف عند فتح وحدها، لأن المشهد المقابل داخل حماس لا يبدو مختلفاً كثيراً من حيث إعادة إنتاج القيادة والعقلية السياسية ذاتها. فالحركة التي أدارت قطاع غزة لما يقارب عشرين عاماً، ولم تنجح في إنهاء الانقسام أو بناء شراكة وطنية مستقرة أو تجنب الكوارث المتكررة التي عاشها القطاع، عادت أيضاً لتقديم الوجوه المرتبطة بالمرحلة السابقة نفسها، وكأن حجم الدمار الإنساني والسياسي الذي أصاب غزة لم يكن كافياً لفرض مراجعة داخلية شجاعة. صحيح أن الاحتلال يتحمل المسؤولية الأساسية عن الإبادة والحصار والتدمير، لكن ذلك لا يلغي حق الناس في مساءلة القيادات الفلسطينية عن طبيعة القرارات السياسية التي أُخذت، وعن غياب الرؤية الوطنية الموحدة، وعن استمرار الانقسام الذي أضعف الفلسطينيين جميعاً وحول غزة والضفة إلى مسارين سياسيين منفصلين.
خلال السنوات الأخيرة، بدا وكأن الحركتين الكبريين في الساحة الفلسطينية دخلتا في حالة تشبه الجمود التاريخي؛ فتح تخشى خسارة السيطرة على السلطة، وحماس تخشى خسارة السيطرة على غزة، وبين السلطتين ضاعت الفكرة الوطنية الجامعة. لم تعد القضية الفلسطينية تُدار بوصفها مشروع تحرر وطني بقدر ما أصبحت محكومة بصراعات النفوذ والشرعية والتمثيل، حتى بات الفلسطيني يشعر أحياناً أن القيادات السياسية تدافع عن بقائها أكثر مما تدافع عن مستقبل الشعب نفسه.
وربما تكون الحقيقة الأكثر قسوة أن المسؤولية لا تقع على القيادات وحدها، بل تمتد أيضاً إلى البيئة السياسية والتنظيمية التي أعادت إنتاج هذه القيادات مرة بعد أخرى. فحين تتحول التنظيمات إلى هويات مغلقة لا تقبل النقد، وحين يصبح الولاء أهم من الكفاءة، وحين تخاف القواعد التنظيمية من التغيير أكثر مما تخاف من استمرار الفشل، فإن النتيجة الطبيعية هي بقاء الواقع نفسه مهما كانت الكلفة. ولذلك فإن الشعب، والنخب، والمثقفين، وحتى القواعد التنظيمية، يتحملون جزءاً من مسؤولية الوصول إلى هذه اللحظة، لأن الصمت الطويل عن الأخطاء يتحول تدريجياً إلى شراكة غير مباشرة في استمرارها.
القضية الفلسطينية اليوم لا تعاني فقط من احتلال دموي، بل تعاني أيضاً من أزمة قيادة، وأزمة مشروع وطني، وأزمة ثقة عميقة بين الفلسطيني والمنظومة السياسية. فالشعب الذي يعيش الإبادة والحصار والانقسام والفقر والهجرة والانهيار النفسي لا يريد فقط خطابات وشعارات جديدة، بل يريد طبقة سياسية تمتلك الجرأة للاعتراف بالفشل قبل الحديث عن المستقبل، وتمتلك القدرة على إنتاج رؤية وطنية حقيقية تتجاوز عقلية الفصائل المغلقة ومصالحها الضيقة.
المؤلم في المشهد الفلسطيني ليس فقط أن الوجوه القديمة ما زالت تحكم، بل أن النظام السياسي كله يبدو عاجزاً عن تخيل بديل. وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي حركة تحرر وطني؛ أن تفقد قدرتها على التجدد، وأن تتحول مع الوقت من مشروع للتحرير إلى مشروع لإدارة الأزمة فقط. وعندما تصل الشعوب إلى مرحلة تشعر فيها أن التغيير مستحيل، وأن الانتخابات والمؤتمرات لا تنتج سوى النسخة نفسها من الواقع، فإن الخطر الحقيقي لا يكون فقط على السلطة أو التنظيمات، بل على إيمان الناس بالقضية نفسها وبإمكانية استعادة المستقبل.