منى هيثم أبو حدايد - مصدر الإخبارية
بهذه الكلمات يختصر الحاج محمد الشاعر علاقته بأرضه، وهو يجلس في غرفةٍ صغيرة في خانيونس جنوب قطاع غزة، رجلٌ تجاوز المئة عام، كأن حكاية عمرٍ كامل من الصبر استقرت في ملامحه وصوته.
وُلد الحاج محمد الشاعر في 12 فبراير عام 1927، قبل أن تتبدل ملامح الأرض وتثقلها الحروب، وقبل أن يصبح الفقد جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. ومنذ طفولته، كما يروي، كانت الأرض هي البداية والنهاية لكل شيء. ويقول الشاعر لشبكة مصدر الإخبارية: “من يوم ما انولدت، وأنا في أرضي… كنا نربي الجمال والمواشي، ونستخدم سمادها لزراعة الأرض.” ثم يصمت قليلاً، وكأنه يعود إلى زمنٍ لا يزال حياً في ذاكرته، قبل أن يضيف: “كنا نعيش بسعادة… الأرض كانت تعطينا كل شيء ،هي كل رزقنا.”
لكن هذا الهدوء ينكسر حين يصل إلى النكبة، وكأنها اللحظة التي انقسم فيها الزمن إلى ما قبل وما بعد؛ حين تحولت الأرض من حضنٍ للحياة إلى جرحٍ مفتوح في الذاكرة، ومن مساحةٍ للأمان إلى قضية لا تغادر القلب.
ومع مرور السنوات، لم يغادر الحاج محمد الشاعر أرضه، بل ظلّ فيها كجذرٍ لا يُقتلع. يقول بهدوءٍ حاسم: “أفضل الموت في أرضي على مغادرتها.” ثم يتابع: “كنا نحرث الأرض ونزرعها ونأكل من خيرها… كانت تعطينا قوة ونشاط.” وهنا تتجلى العلاقة بين الإنسان وأرضه كامتداد حياة متبادل، لا كعملٍ عابر أو مهنة.
لكن الحرب الأخيرة قلبت هذا الإيقاع كله. توقفت الزراعة، وتبدلت الحياة، وصار يعيش داخل غرفةٍ صغيرة في أرضه بعد أن غيّرت الحرب تفاصيل حياته، عقب قرنٍ كامل أمضاه فيها. ويتابع بصوتٍ مثقل: “منذ توقف الزراعة، قلّ الطعام وارتفعت الأسعار… كنت إذا ادخرت مالاً أصرفه على علاجي، والآن لم تعد هناك زراعة ولا مصدر للعيش.”
ورغم ذلك، لم تنقطع صلته بالأرض، بل ظلّ يتعامل معها كمساحة حياة تتسع للآخرين أيضاً، بعدما حوّلها إلى مأوى للنازحين. ويضيف بهدوء: “خلّينا الأرض للناس اللي ما عندهم مأوى… تغير كل شيء، لكن حبي للأرض ما تغير.”
وفي نهاية حديثه، يسود صمتٌ قصير، كأن عمراً مرّ في لحظة واحدة. فالمعمر محمد الشاعر ليس مجرد رجلٍ تجاوز المئة عام، بل حكاية وطنٍ يتكئ على عكازٍ من الصبر لا ينكسر ولا ينحني رغم ما مرّ عليه من وجع.
وفي هذا الصمود الممتد، تتجذر حكاية الفلسطيني في أرضه كجذور زيتونٍ لا تُقتلع مهما اشتدت الظروف. فهو، في تفاصيل حياته وتمسكه بأرضه رغم المرض والسنين، يصبح مرآة لملايين الفلسطينيين الذين ظلّوا متعلقين بأرضهم كهوية لا تُستبدل، وذاكرة لا تموت، وحقّ لا يسقط مع الزمن.
ويبقى قوله “هذه أرضنا… ما بنسيبها” ليس مجرد كلمات، بل خلاصة عمرٍ بأكمله، وصوت شعبٍ ما زال يرى في الأرض معنى الحياة.