د. طلال أبو ركبة .. باحث وأكاديمي
عندما تُدار السياسة بعقلية لاعب النرد، فإننا لا نكون أمام أسلوب في الحكم بقدر ما نكون أمام تحوّل في طبيعة العقل السياسي ذاته؛ إذ يتراجع منطق التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد لصالح منطق إدارة الاحتمال، حيث تُقاس القرارات بآثارها اللحظية لا بقدرتها على إنتاج مسار تاريخي مستقر. في هذا النموذج، لا تُفهم السياسة بوصفها فعلًا موجّهًا وفق قواعد ومعايير، بل بوصفها سلسلة من الرهانات المتقطعة داخل فضاء دائم عدم اليقين.
هذا التحول يمكن قراءته نظريًا بوصفه انزياحًا عن منطق العقلانية كما صاغته الواقعية الكلاسيكية لدى هانس مورغنثاو، حيث تصبح المصلحة القومية قابلة للتفكيك إلى تكتيكات لحظية بدل أن تكون مشروعًا استراتيجيًا متماسكًا. كما أنه يتعارض مع التصور الليبرالي المؤسسي كما عند روبرت كيوهان، الذي يفترض أن المؤسسات والقواعد الدولية قادرة على تقليص عدم اليقين وتوجيه الفعل السياسي نحو الاستقرار. أما في القراءة النقدية كما عند روبرت كوكس، فإن هذا النمط لا يُفهم كخلل عرضي، بل كنتاج لبنية قوة تُنتج عدم اليقين وتعيد تدويره كأداة حكم.
عند إسقاط هذا الإطار على الحالة الفلسطينية، يتضح أن ما يجري في غزة وفي مسار الصراع الأوسع يعكس نموذجًا مكثفًا لإدارة الأزمة بدل حلها. فبدل أن يُدار الصراع ضمن أفق تسوية سياسية نهائية، يتم تفكيكه إلى دورات متكررة من التصعيد والتهدئة والمفاوضات المؤقتة، بما يحوّل السياسة إلى إدارة مستمرة للانفجار بدل تفكيك أسبابه البنيوية.
غير أن هذا التحليل يفقد اكتماله إذا اقتصر على البنية الدولية فقط، إذ إن “عقلية النرد” لا تشتغل في اتجاه واحد، بل تنتج تفاعلات متبادلة داخل بيئة سياسية مضطربة. وهنا يظهر البعد النقدي المتعلق بالسلوك السياسي الفلسطيني نفسه، لا بوصفه سببًا معزولًا، بل بوصفه جزءًا من دائرة عدم اليقين البنيوي.
ففي سياق طويل من الانسداد السياسي وتآكل أفق التسوية، وتعدد مراكز القرار، وضغط الوقائع الميدانية المتغيرة، تطوّرت داخل الفعل السياسي الفلسطيني أنماط تميل في كثير من الأحيان إلى إدارة اللحظة أكثر من بناء استراتيجية تراكمية طويلة المدى. أي أن الفعل السياسي، تحت وطأة القيود البنيوية، يجد نفسه مدفوعًا نحو رد الفعل، حيث تُعرّف السياسة أحيانًا بقدرتها على الاستجابة للأزمة، لا بقدرتها على إنتاج أفق يتجاوزها.
هذا لا يُقرأ كاختيار حر منفصل عن السياق، بل كتكيف داخل بيئة تُغلق فيها تدريجيًا إمكانيات الفعل الاستراتيجي المستقر. غير أن هذا التكيف نفسه يخلق مفارقة: فكلما ازدادت مركزية التكتيك، تراجع بناء المشروع السياسي الشامل، وكلما تراجع الأفق الشامل، تعزز الاعتماد على التكتيك بوصفه أداة بقاء.
في هذا التفاعل المركب، لا يحتكر أي طرف “عقلية النرد” بالكامل، بل يُعاد إنتاجها داخل شبكة من القيود المتبادلة، حيث تتقاطع بنية النظام الدولي مع ديناميات الفعل المحلي في إنتاج حالة دائمة من عدم اليقين السياسي.
وهكذا، لا تعود “عقلية لاعب النرد” مجرد استعارة نقدية لوصف سلوك طرف واحد، بل تتحول إلى مفهوم تحليلي يكشف عن بنية أوسع: بنية تُدار فيها السياسة كاحتمال مفتوح، وتُستبدل فيها الاستراتيجية بالتكتيك، ويُعاد فيها إنتاج الأزمة بدل حلها، على نحو يجعل من الاستقرار الاستثنائي غائبًا، ومن عدم اليقين قاعدة مستمرة.