نشر الصحفى والكاتب زياد حلبي على صفحته عالفيسبوك
يبدو كأن التاريخ لا يكتفي بأن يُروى، بل يصرّ على أن يُعاد اختباره، ولكن هذه المرة داخل الوعي الأميركي نفسه. بعد أكثر من عقدين على حرب العراق، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة في واشنطن، لا بصيغة عسكرية، بل بصيغة أخلاقية وسياسية: لماذا نخوض الحروب، ولصالح من؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل أصبح جزءًا من المزاج العام. تدعمه معطيات صلبة صادرة عن مراكز أبحاث أميركية مرجعية، تُظهر تآكلًا غير مسبوق في صورة إسرائيل داخل المجتمع الأميركي. ليس فقط بين الديمقراطيين الذين تجاوزت نسبة النظرة السلبية لديهم 80 في المئة، بل أيضًا داخل الحزب الجمهوري حيث تقترب من 60 في المئة، مع تركّز أوضح في الفئات الشابة التي ستعيد تشكيل القرار الأميركي في المستقبل وهذه قد تتحول إلى ورطة استراتيجية في علاقة إسرائيل بالأميركيين.
هذه الأرقام لا تعكس غضبًا عابرًا، بل تحوّلًا في البنية العميقة لكيفية إدراك العلاقة مع إسرائيل. بعد أن كانت تُقدَّم تاريخيًا كامتداد طبيعي للمنظومة القيمية الغربية، بدأت تُقرأ بشكل متزايد من زاوية الكلفة والمصلحة. لم يعد الحديث يدور حول “حليف لا غنى عنه”، بل حول شريك قد يفرض على الولايات المتحدة أثمانًا لا تتناسب مع العائد. في هذا التحول، تتقدم أسئلة الاقتصاد على شعارات الأمن. تفرض نفسها تداعيات الحرب على الداخل الأميركي: ارتفاع أسعار الوقود، اضطراب سلاسل التوريد، تضخم كلفة التأمين وحماية الملاحة، واستنزاف الميزانيات العسكرية. فالعلاقات لا تنهار حين تخطئ الدول، بل حين يتغيّر تفسير الخطأ.
في هذا السياق، تتبلور داخل دوائر القرار، وخصوصًا في وزارة الخارجية والأوساط الوسطية في الحزبين، فرضية لم تكن مطروحة بهذا الوضوح من قبل. مفادها أن إسرائيل لم تعد فقط أصلًا استراتيجيًا، بل قد تتحول في ظروف معينة إلى عبء استراتيجي. هذه الفرضية لا تقوم على نظرية مؤامرة، بل على تراكم انطباعات وسرديات بدأت تتشكل خلال الحرب الأخيرة في الخليج. ترسّخ لدى شريحة متزايدة من النخب السياسية والإعلامية أن إسرائيل دفعت، أو على الأقل شجّعت، الولايات المتحدة على الانخراط في مواجهة مع إيران، دون أن تتحمل الكلفة المباشرة لتلك المواجهة.
صحيح أن هذه القراءة قد تكون محل جدل، لكنها في السياسة تكتسب قوتها من انتشارها لا من دقتها. هنا يكمن الخطر الحقيقي. العلاقات بين الدول لا تتآكل فقط بفعل الوقائع، بل أيضًا بفعل التصورات التي تترسّخ مع الزمن. مع كل جندي أميركي يسقط، وكل مليار دولار يُنفق على حماية طرق الملاحة، يعود السؤال الذي بدا وكأنه دُفن مع العراق: من أجل من نقاتل؟ هذا السؤال لم يعد يُطرح في مراكز التفكير فقط، بل بدأ يتسلل إلى الرأي العام، من الجامعات إلى ولايات بعيدة عن الشرق الأوسط. هناك لا تُقاس الحروب بخرائط النفوذ، بل بتكلفتها على حياة المواطن. وحين يصل هذا السؤال إلى الداخل الأميركي، تكون الحرب قد خسرت معناها حتى لو ربحت ميدانها.
اللافت أن هذا التحول يتقاطع مع لحظة سياسية حساسة في الولايات المتحدة. تقترب انتخابات التجديد النصفي، وتحتدم المنافسة داخل الحزبين، ما يجعل أي عبء خارجي قابلًا للتسييس الداخلي. في مثل هذه اللحظات، تتحول العلاقات الدولية إلى أوراق في لعبة داخلية. يصبح الحليف عرضة لإعادة التقييم، لا انطلاقًا من ثوابته التاريخية، بل من تأثيره على صناديق الاقتراع. هنا تحديدًا، يتضاعف وزن السردية القائلة إن إسرائيل كانت عاملًا في دفع الولايات المتحدة نحو الحرب. هذه السردية تلامس مباشرة حساسية الناخب الأميركي تجاه الحروب الطويلة والمكلفة.
استدعاء تجربة العراق في هذا السياق ليس تفصيلًا، بل مفتاح الفهم. حين وقف بنيامين نتنياهو أمام الكونغرس عام 2002 مدافعًا عن إسقاط نظام صدام حسين، كان الخطاب مبنيًا على وعود بتحولات إيجابية كبرى في المنطقة. ما حدث لاحقًا كان العكس تمامًا. حرب استنزفت الولايات المتحدة، وأعادت تشكيل الشرق الأوسط على نحو فوضوي، وخلّفت جرحًا عميقًا في الوعي السياسي الأميركي، خصوصًا داخل الحزب الديمقراطي. هذا الجرح لم يُنسَ، بل تحوّل إلى مرجعية تُستحضر كلما ظهرت مؤشرات على تكرار النمط ذاته.
من هنا، فإن أخطر ما في المرحلة الراهنة ليس الحرب بحد ذاتها، بل الانطباع المتراكم بأن القرار الأميركي لم يكن خالصًا. التاريخ الأميركي يُظهر أن واشنطن يمكن أن تتسامح مع أخطاء استخبارية أو تقديرات خاطئة. لكنها تجد صعوبة أكبر في تقبّل فكرة أنها دُفعت إلى حرب لا تخدم مصالحها المباشرة. في هذا السياق، يتحول الحليف من عنصر قوة إلى موضع مساءلة. تُعاد صياغة العلاقة على أساس جديد، أقل عاطفية وأكثر براغماتية.
تزامن هذا التحول مع صعود جيل سياسي وإعلامي في الولايات المتحدة، أقل ارتباطًا بالروايات التقليدية، وأكثر ميلًا إلى مساءلة المسلّمات. هذا الجيل لا يحمل ذاكرة الحرب الباردة. لا يرى في إسرائيل بالضرورة الامتداد الطبيعي للغرب، بل يتعامل معها كدولة تُقاس سياساتها بمعايير الكلفة والعائد، تمامًا كما يُقاس أي حليف آخر. مع مرور الوقت، سيتحوّل هذا المزاج إلى سياسات. من يشكّل الرأي العام اليوم سيصوغ القرار غدًا.
في المقابل، تبدو إسرائيل عالقة في مفارقة صعبة. لا تزال تعتمد في استراتيجيتها على افتراض ثبات الدعم الأميركي، في وقت تتآكل فيه أسس هذا الدعم تدريجيًا. مع استمرار الحروب وتراكم الكلفة، يتعزز الانطباع بأنها لم تعد تضبط إيقاع استخدام القوة ضمن حسابات العلاقة مع واشنطن، بل وفق اعتبارات داخلية تتصل بالبقاء السياسي والضغوط القانونية. هذا ما يضع العلاقة أمام اختبار غير مسبوق.
في نهاية المطاف، لا تُقاس خطورة اللحظة بما حدث في الميدان، بل بما يُبنى عليه في الوعي. الحروب تنتهي عادة بإعلان انتصار ما، لكن الروايات التي تليها هي التي تحدد معناها الحقيقي. إذا كانت ورطة العراق قد علمت الأميركيين أن كلفة الحرب لا تُختصر بنتائجها العسكرية، فإن ما يتشكل اليوم يوحي بأن الدرس لم يُنسَ، بل يُعاد تطبيقه على حلفاء الأمس.
حين يصل الحليف إلى لحظة يُسأل فيها السؤال ذاته الذي طُرح بعد العراق، فإن المشكلة لا تكون في تفاصيل الحرب، بل في موقعه داخلها. أخطر ما يمكن أن يحدث في العلاقات الدولية ليس أن تخوض حربًا خاسرة، بل أن تُتَّهم بأنك جعلت غيرك يخوضها بدلًا منك.