عزات جمال - كاتب فلسطيني
يأتي العيد هذا العام كمرآةٍ تعكس واقعنا بكل تفاصيله وتعقيداته التي نحياها، إذ لم يعد العيد موعداً للفرح فحسب؛ بل صار اختبار قوي يعكس قدرتنا على الصبر والمضي نحو الأمام.
نحن الذين يشدنا الحنين للأشخاص والأماكن. وما أن جاء العيد، حتى ازدحمت فيه الذكريات تباعاً، فور انطلاق التكبيرات المستبشرة بقدومه. لقد غابت الأزقة التي حفظناها عن ظهر قلب، وحل مكانها ركامٌ لا ينتهي. نسير في شوارع لم تعد شوارع، بل ذاكرة مفتوحة على الغياب؛ هنا كان بيتاً، وهناك كان مسجد، ومدرسة، ومستشفى، وفي ذلك الحي كان يسكن أقاربٌ أو أصدقاء لم يعودوا موجودين للأبد!
ببساطة، العيد كما عرفناه سابقاً غير موجود الآن. أما عيد اليوم، فينقصه وجوهٌ كثيرة لا نجدها إلا في الصور، رحلت ورحلت معها الذكريات. أصدقاء الطفولة، وزملاء الدراسة، والأحباب من الأقارب والجيران والمعارف: هم رحلوا، ونحن بقينا لنحمل الحكاية.
نحن الذين بقينا هنا، نحاول أن نفهم كيف يمكن للإنسان أن يتأقلم مع فقدان كل شيء دفعةً واحدةً: عائلته، أصحابه، بيته، عمله، حارته، ومدينته. كيف يمكن للمرء أن يعيد ترتيب قلبه وذكرياته بعد كل هذا الفقد؟
بل كيف يمكن أن نحتفل، ونحن نعرف أن بيوتاً وعائلاتٍ كاملةً مُسحت، وأحياءً بأكملها صارت ركاماً ومجرد أسماء؟
إلا أن الأصعب من فقدان المكان هو الحنين للأشخاص والذكريات… لأن الأماكن ليست حجارةً صمّاء فقط، بل هي ذاكرة، وهوية، وامتدادٌ للنفس. حين يُمحى المكان، نشعر وكأننا نحن من نُمحى. ها نحن نحمل مفاتيح بيوتٍ لم تعد موجودة، ونشير إلى خرائط لم تعد تطابق الواقع. نقول "هنا كنا"، لكن هذه "الهنا" لم تعد تعني شيئاً سوى الفراغ.
ومع كل هذا، نعي حقيقةً بالغة الأهمية. وهي أننا لا نملك رفاهية الانهيار أو الانكسار، أو التسليم للألم لينهش قلوبنا ويقتل أرواحنا. نعم، في داخلنا عنادٌ يأبى لنا الانكسار، ربما هو الأمل بغدٍ أفضل، أو ربما ننتظر ساعة الإنصاف وانتصار العدالة في نهاية المطاف. فالظلم مهما عمّ فهو إلى زوال، هكذا تسود العدالة في نهاية الحكايات والروايات، لذلك تجدنا نُصر بعزمٍ على أن نُكمل الطريق، حتى لو كان مليئاً بالغياب المؤلم والفقد الموجع.
العيد في زمن الإبادة ليس احتفالاً فحسب، بقدر ما هو شهادة. نعم، شهادة على أننا ما زلنا هنا، رغم كل ما حدث. شهادة على أننا لم نُمحَ كما أرادوا، وأن ذاكرتنا وإرادتنا أقوى من الإبادة، وبأن كل من فقدناهم في هذا الطريق لن يتحولوا إلى أرقام.
نحن عالقون بين الحنين والصبر، فالحنين لما كان، والصبر على ما نحن فيه وما سيكون. لكننا، رغم ذلك كله، نتمسك بالإرادة النابعة من ضرورة المواصلة والسعي. فنحن نعيد تعريف العيد: ليس بما حل بنا، بل بما بقي فينا من قدرة على العطاء، وعلى التذكر والسعي، وعلى الاستمرار.
قد لا يكون عيدنا هذا عيداً كما يعرفه العالم، لكنه عيدنا نحن الذي نعتز به. عيد الذين فقدوا، وعاشوا المعاناة، وقساوة الجراح، ورغم كل ذلك – وعلى بشاعته – تسربلوا بالصبر والثبات، وبقي لهم قلبٌ ينبض، وقصة تُروى، وإرادة ترفض الانكسار.
لنا، ولكل الذين مضوا على خطانا في هذا الطريق، كل عامٍ وأنتم بألف خير.