فرح الكولك - مصدر الإخبارية
على مدرجات مشرحة الموتى في مستشفى ناصر بخانيونس جنوب قطاع غزة، تجلس منال بركة طالبة ثانوية عامة، تحمل كتابها وتقلب بين صفحاته تحت النور الخافت.
مشهدٌ لم نعتاد عليه، ففي مكان تنتهي فيه حياة أشخاص، هناك من يتمسك بنور الحلم والمحاولة، فبعد حرب الإبادة تبدلت كل الأماكن وتحولت المستشفى الملاذ الأخير لطالبة تبحث عن الضوء والهدوء لمواصلة دراستها.
تقول بركة لشبكة مصدر الإخبارية :"التوجيهي.. آخر سنة في حياتي المدرسية، لطالما انتظرتها، فهي حصاد سنواتٍ من التعب والاجتهاد، لكن لم أكن أتخيلها بهذا الشكل أبداً، فبعد تدمير المدارس، وغياب البيئة التعليمية، وعدم وجود أماكن مناسبة للدراسة، أصبحت هذه المدرجات.. مشرحة الموتى.. هي الملجأ الأخير الذي يساعدني على تحقيق حلمي."
بركة واحدة من بين 785 ألف طالب وطالبة حرموا من التعليم في بيئة مجهزة، بعد تضرر أكثر من 95% من مدارس القطاع بفعل الاعتداءات الإسرائيلية، وأصبحوا يفترشون الأرض ويحاولون التغلب على الظروف والظلام وخسارة منازلهم، لتتحول الدراسة إلى تحدٍ يومي يعيشه الطلاب.
تسكن منال رفقة عائلتها في مسجد بلال بخان يونس، بعد تدمير منزلهم، مكانٌ مكتظ بالنازحين ومعتم، يفتقر وجود الكهربا والإضاءة التي تعينها على الدراسة، لتكون شمس النهار مصباحها الوحيد، تحرمها الضوضاء من حولها، وواجبات التدبير المنزلي من الحصول على قسطٍ من الوقت للدراسة، بينما يغرق المكان في عتمة الليل بعد الغروب، لتلجأ إلى حلٍ غريب على بعد عشرين دقيقة من السير على الأقدام، كي تصل إلى أقرب مصدر ضوء متاح، تتغلب فيها على مخاوف الطريق، ومجاورة مشرحة للموتى.
لم تعد أزمة انقطاع الكهرباء مشكلةً مؤقتة يعاني منها سكان القطاع، بل أصبحت تحدياً دائماً، لتقف العتمة عائقاً أمام كل شيء التعليم والتواصل والعلاج، وكأنها تحاول قتلهم ببطء.
تروي بركة:” أحاول كسر حاجز العتمة، وأبحث عن الحلول البديلة دائماً، فألجأ إلى المستشفى أبحث بين الأقسام عن مقبض كهربا لشحن هاتفي بالطاقة التي تعينني غداً على تكرار العملية”.
وتبدأ بعدها رحلة البحث عن مكانٍ هادئ وإضاءته جيدة، حيث تستبدل ظلمة المسجد بالأضواء الخافتة أمام مشرحة الموتى محاولةٍ استغلال الهدوء النسبي الذي يساعدها على إنجاز بعض مهامها الدراسية.
تقول والدة منال: "تتمسك ابنتي بحلمها وسط كل ما نمر به، لأن فرحة النجاح ستهون الكثير علينا، وتحلم أن يكون هذا النجاح سبباً لتحسين ظروف حياتنا".
تحديات كبيرة يواجهها طلاب قطاع غزة تتمثل في عدم توفر بيئة مناسبة للدراسة في بيئة النزوح التي تتسم بالضوضاء والتكدس، إضافة الى تحملهم الكثير من المسؤوليات التي تكبرهم، وعدم الاستقرار المعيشي والمتكرر الذي يؤثر سلباً على استقرارهم النفسي والذهني، لكن شغف الوصول والتمسك بالمستقبل يشبه طوق النجاة الذي يشجعهم على الاستمرار والسعي، وتلك الظروف زادتهم عزيمةً وإصرار ومحاولاتٍ متكررة للتغلب عليها.