لم تعد جرائم القتل في أوساط الفلسطينيين داخل إسرائيل أحداثًا استثنائية، بل تحولت إلى ظاهرة يومية مقلقة. من أم تُقتل أمام متجر، إلى مصلٍ يُستهدف بعد خروجه من المسجد، وصولًا إلى طبيب يُطلق عليه النار أثناء عمله جميع الضحايا من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.
وتشير المعطيات إلى أن متوسط جرائم القتل هذا العام بلغ نحو جريمة واحدة يوميًا في المجتمع العربي، الذي يشكّل قرابة 20% من سكان إسرائيل.
أرقام تكشف فجوة صارخة
تظهر بيانات من الكنيست ومركز إيلاف أن الشرطة الإسرائيلية نجحت في حل نحو 15% فقط من جرائم القتل في المجتمع العربي، مقابل 65% في المجتمع اليهودي، ما يعكس فجوة كبيرة في إنفاذ القانون.
وبحسب تقرير صادر عن منظمة مبادرات إبراهيم، كان العام الماضي الأكثر دموية على الإطلاق، حيث قُتل 252 شخصًا من المجتمع العربي، معظمهم بإطلاق نار. أما عام 2026 فقد بدأ بواقع دموي أيضًا، مع تسجيل 46 جريمة قتل حتى الآن.
احتجاجات واسعة في سخنين
أشعل تصاعد العنف موجة احتجاجات غير مسبوقة، أبرزها في مدينة سخنين شمالي البلاد، حيث خرج عشرات الآلاف في مظاهرة وُصفت بأنها الأكبر منذ سنوات، رافعين شعارات تطالب بالأمن والعدالة.
وتوسعت الحركة الاحتجاجية لتشمل إضرابات عامة وفعاليات يومية في عدة بلدات عربية، مع انتشار الأعلام السوداء وصبغ نوافير المياه باللون الأحمر تعبيرًا عن الغضب الشعبي.
هيرتسوغ: «واجب أخلاقي»
في خطوة نادرة، زار الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هيرتسوغ مدينة سخنين، مؤكدًا أن محاربة الجريمة في المجتمع العربي "واجب أخلاقي ويجب أن يكون على رأس الأولويات".
كما أعلن مفوض الشرطة العام داني ليفي أن الجريمة في المجتمع العربي تشكل "حالة طوارئ" تستدعي تحركًا عاجلًا.
عائلات الضحايا: «تمييز وانتقائية»
يرى كثيرون أن المشكلة لا تكمن فقط في تفشي الجريمة، بل في تعامل السلطات معها. عائلة الطبيب عبد الله عوض، الذي قُتل أثناء عمله في عيادة بالجليل، تقول إن الشرطة لم تُحرز تقدمًا ملموسًا في التحقيق بعد أكثر من عام.
ويتهم والد الضحية السلطات بممارسة "تنفيذ انتقائي للقانون"، متسائلًا عن سبب السرعة في حل قضايا عندما يكون الضحايا يهودًا، مقابل بطء الإجراءات في القضايا التي تخص المواطنين العرب.
تقرير مركز "إيلاف" تحدث عن "نهج متشدد تجاه النشاط السياسي العربي، مقابل تساهل مع الجريمة المنظمة".
بن غفير تحت المجهر
تضاعفت جرائم القتل خلال أول عام كامل لتولي وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، منصبه. ورغم إعلانه تخصيص موارد كبيرة لمحاربة الجريمة، يتهمه منتقدون بإلغاء برامج سابقة لمكافحة العنف وإضعاف وحدات شرطية مختصة بالمجتمع العربي.
بن غفير رد بأن هناك انخفاضًا في جرائم القتل بين اليهود، معتبرًا أن الجريمة في المجتمع العربي "ظاهرة خطيرة" تحتاج وقتًا لمعالجتها، وألقى باللوم على "عقود من الإهمال".
جدل حول الميزانيات
في كانون الأول/ديسمبر، أعلن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحويل 70 مليون دولار من برامج تنمية اقتصادية مخصصة للمجتمع العربي إلى الشرطة لمكافحة ما سُمّي "الجريمة القومية الخطيرة".
لكن مركز مساواة اعتبر الخطوة "سياسة متعمدة لإفقار المجتمع العربي"، مؤكدًا أن تقليص ميزانيات التعليم والإسكان لن يعالج جذور العنف.
أزمة ثقة عميقة
يرى ناشطون ونواب عرب، بينهم عايدة توما سليمان، أن استمرار الوضع الحالي يعكس خللًا بنيويًا في العلاقة بين الدولة ومواطنيها العرب، معتبرين أن غياب الردع والمحاسبة يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب.
في ظل هذا الواقع، تبقى عائلات الضحايا عالقة بين الألم والانتظار، فيما تتسع رقعة الاحتجاجات، ويتزايد الضغط الشعبي للمطالبة بخطة شاملة تعالج ليس فقط مظاهر الجريمة، بل أسبابها العميقة المرتبطة بالتهميش وضعف البنى الاقتصادية والاجتماعية.