تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي توظيف ميليشيا "أبو شباب" في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، ضمن مساعٍ تستهدف تفكيك البنية العسكرية لحركة حماس، لا سيما شبكة الأنفاق ومنشآت تصنيع السلاح، في إطار الحرب المتواصلة على القطاع.
وتكشف تصريحات علنية لقائد الميليشيا، غسان الدهيني، إضافة إلى معطيات ميدانية وتقارير صحافية، عن مستوى متقدم من التنسيق بين الميليشيا والجيش الإسرائيلي، سواء على صعيد العمليات أو الدعم اللوجستي.
تصريحات علنية حول "تحييد" الأنفاق
في مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية، قال الدهيني إن "المرحلة الأولى أوشكت على الانتهاء"، موضحًا أنها تركز على "حرمان حماس من أحد أهم وسائلها – الأنفاق". وأشار إلى أن العمليات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتوسع لتشمل مراحل إضافية.
وبحسب تصريحاته، فإن المرحلة المقبلة ستتضمن "تفكيك منشآت تصنيع السلاح، ثم الصواريخ، وأخيرًا الأسلحة الخفيفة"، معتبرًا أن الضغط العسكري هو السبيل الوحيد لدفع حماس إلى التخلي عن سلاحها. وأضاف أن التنسيق مع الجيش الإسرائيلي في رفح أفضى إلى "نتائج كبيرة"، على حد وصفه.
وكان الدهيني قد أعلن عبر صفحته على "فيسبوك" أن ميليشياه بدأت فعليًا بتفكيك أنفاق في رفح، مؤكدًا أن خطة "نزع السلاح" ستنطلق خلال آذار/مارس، وتترافق مع ما سماه "توسيع قوة الاستقرار" في المدينة.
من "جيش الإسلام" إلى قيادة الميليشيا
وُلد غسان الدهيني في رفح عام 1987، وينتمي إلى قبيلة الترابين البدوية، وهي من أكبر القبائل العربية جنوب فلسطين. وكان قد شغل سابقًا منصب ضابط برتبة ملازم أول في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية.
لاحقًا، انضم إلى تنظيم جيش الإسلام، وهو فصيل مسلح نشط في غزة وارتبط بخلفيات أيديولوجية قريبة من تنظيم داعش، قبل أن يتولى قيادة ميليشيا "القوات الشعبية" المعروفة باسم "أبو شباب".
وجاء تعيينه خلفًا للقائد السابق ياسر أبو شباب، الذي قُتل في كانون الأول/ديسمبر 2025، وسط حديث عن نزاع داخلي. وقد تعهد الدهيني بمواصلة عمليات الجماعة ضد حركة حماس.
انتشار ميداني قرب مواقع إسرائيلية
برزت ميليشيا "القوات الشعبية" خلال عام 2024، وقدّر عدد عناصرها بين 100 و300 مسلح، ونشطت بشكل أساسي في مناطق شرق رفح، قرب معبر كرم أبو سالم، إضافة إلى مواقع غرب المدينة قريبة من نقاط توزيع مساعدات مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل.
وتشير تقارير إلى أن تحركات الميليشيا تجري في نطاق قريب من مواقع عسكرية إسرائيلية، في ظل ما وُصف بإشراف مباشر من الجيش الإسرائيلي، الذي تؤكد وسائل إعلام إسرائيلية ومسؤولون رسميون أنه يمدها بالمعدات والسلاح والغطاء الجوي.
أدلة مصورة على التنسيق
كشف تحقيق لـ"التلفزيون العربي" عن مقاطع مصورة نُشرت عبر حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، أظهرت الدهيني وعددًا من المسلحين إلى جانب مركبات رباعية الدفع وشاحنة تبريد مغلقة.
وأظهر أحد المقاطع مركبة تحمل لوحة ترخيص إسرائيلية، فيما بيّن تحليل لاحق أن الرقم الظاهر لا يعود إلى الطراز المعروض، بل إلى مركبة مختلفة، ما أثار تساؤلات حول مصدر اللوحة ودلالات استخدامها داخل قطاع غزة.
كما أظهرت المقاطع مرافقة المركبة بشاحنة تبريد مغلقة، دون توضيح محتواها، إلى جانب ظهور أضواء طوارئ على المركبة، ما دفع فريق التحقيق إلى ترجيح فرضية استخدام هوية تمويهية ضمن أسلوب تشغيل منظم.
وبمقارنة المعالم الجغرافية الظاهرة في الفيديوهات مع صور أقمار صناعية وخرائط "غوغل"، خلص التحقيق إلى أن التصوير جرى أمام مبنى في رفح يُستخدم كمركز عمليات للميليشيا.
يأتي توسيع دور ميليشيا "أبو شباب" في سياق استراتيجية إسرائيلية معلنة لتفكيك البنية العسكرية لحماس جنوب قطاع غزة، عبر أدوات متعددة تشمل العمليات العسكرية المباشرة، واستهداف شبكات الأنفاق، إضافة إلى دعم مجموعات محلية مناوئة للحركة.
وتعكس التصريحات العلنية لقائد الميليشيا، إلى جانب المؤشرات الميدانية، تحول هذه الجماعة إلى فاعل ميداني ضمن مشهد أمني معقد في رفح، حيث تتقاطع العمليات العسكرية، ومسارات السيطرة المحلية، ومحاولات إعادة تشكيل موازين القوى في جنوب القطاع.